وقفات تربوية مع السيرة النبوية
الشيخ أحمد فريد • السيرة النبوية • ص 81
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
عنده بالمدينة. وكانت هذه الفترة المباركة كذلك فرصة لتربية الصحابة بالقيام وسائر العبادات، وقد قال ابن عمر رضي الله عنهما: عشنا برهمة من الدهر وكان أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن. فهذا يدل على أن منهج الصحابة رضي الله عنهم تقديم الإيمان على العلم، وكذلك العلم قبل القول والعمل. عن عائشة رضي الله عنها قالت: فرض الله ـ عز وجل ـ على نبيه ﷺ قيام الليل، فقام النبي ﷺ وقام الصحابة معه حولاً كاملاً، واحتجز الله ـ عز وجل ـ خاتمة السورة اثنا عشر شهراً، ثم نزل بعد ذلك التخفيف (١).
وإنما قصدت رضي الله عنها فرض قيام الليل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿١﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٢﴾ نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿٣﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴿٤﴾ إِنَّا سنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ﴿٥﴾ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ (المزمل: ١-٦)، وقصدت رضي الله عنها بالتخفيف الآية الأخيرة من السورة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلْثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (المزمل: ٢٠).
وقال صفي الرحمن المباركفوري: ولم يزل الرسول ﷺ يغذي أرواحهم برغائب الإيمان، ويزكي نفوسهم بتعلم الحكمة والقرآن، ويربيهم تربية دقيقة عميقة، ويحدو بنفوسهم إلى منازل سمو الروح، ونقاء القلب، ونظافة الخلق، والتحرر من سلطان المادية، والمقاومة للشهوات، والنزوع إلى رب الأرض والسماوات، ويزكى جمرة قلوبهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويأخذهم بالصبر على الأذى، والصفح الجميل، وقهر النفس، فازدادوا رسوخاً في الدين، وعزوفاً عن الشهوات، وتفانياً في سبيل المرضاة، وحنيناً إلى الجنة، وحرصاً على العلم، وفقهًا في الدين، ومحاسبة للنفس، وقهراً للنزعات، وغلبة على العواطف، وتسيطراً على الثائرات والنائجات، وتقيداً بالصبر والهدوء والوقار (٢).
______
(1) جزء من حديث: رواه مسلم (٢٦/٦ صلاة المسافرين)، وأحمد (٥٤/٦)، وأبوداود (١٣٢٨) قيام الليل، والنسائي (١٩٩/٤) قيام الليل.
(2) «الرحيق المختوم» (١٤٧).
