وقفات تربوية مع السيرة النبوية
الشيخ أحمد فريد • السيرة النبوية • ص 82
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
## السمة الخامسة: تربية النبي ﷺ للصبر على الإذاء والإعراض عن الجاهلين:
ويظهر هذا جلياً في قصة خباب عندما شكا إلى النبي ﷺ، قال خباب: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقالوا: ألا تستنصر لنا؟! ألا تدعو لنا؟! فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليُتِمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون، (١).
ولاشك أن في كلام رسول الله ﷺ أبلغ تسلية وتربية على الصبر وهو لاشك ﷺ يستنصر لهم ويدعو لهم إلا أنه أراد ﷺ أن يعلموا أن ذلك سنة ماضية، وأن أهل الإيمان لابد أن يتعرضوا للبلاء، ثم بشرهم كذلك بالنصر والتمكين، وتبديل مخاوفهم أمناً، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: ٥٥).
قال ابن كثير ـ في تفسير قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ (الجاثية: ١٤) ـ: «أي: يصفحوا عنهم ويحملوا الأذى منهم، وهذا كان في ابتداء الإسلام، أمروا أن يصبروا على أذى المشركين، ليكون ذلك لتأليف قلوبهم، ثم لما أصروا على العناد شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد، (٢).
وقال سيد قطب: ربما كان ذلك؛ لأن الفترة المكية كانت فترة تربية، وإعداد في بيئة معينة لقوم معينين وسط ظروف معينة، ومن أهداف التربية والإعداد في مثل هذه البيئة بالذات تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة
______
(1) تقدم تخريجه (ص ٦٨).
(2) «تفسير القرآن العظيم» (١٤٩/٤) ط/ دار المعرفة، بيروت، للحافظ ابن كثير.
