منهج ابن تيمية التجديدي
الشيخ سعيد عبدالعظيم • التزكية والرقائق • ص 231
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
وكان ـ رحمه الله ـ قد قطع جلَّ وقته وزمانه في العبادة، حتى أنه لم يجعل لنفسه شاغلة تشغله عن الله ومما يزاوله، ولا معاملة ولا تجارة ولا مشاركة ولا مزارعة ولا عمارة، ولا كان ناظراً أو مباشر لمال وقف، ولم يقبل جراية ولا صلة لنفسه من سلطان ولا أمير ولا تاجر، ولا كان مدخراً ديناراً ولا درهماً ولا متاعاً ولا طعاماً، وإنما كانت بضاعته مدة حياته وميراثه بعد وفاته ـ رحمه الله ـ العلم اقتدى بسيد المرسلين فإنه قال: « إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر » (۱)، ولا يزال تارة في إفتاء الناس، وتارة في قضاء حوائجهم، يصلي مع الجماعة، ويعطي الدرس ويقبل على العلوم، وهو في خلال ذلك كله يقضي الليل والنهار يذكر الله تعالى ويوحده ويستغفره، ولا أدل على إخلاصه وورعه من أنه عفا عن أعدائه، وأعلن بصراحه: « أحللت كل مسلم عن إيذاء لي »، فلم تكن خلافاته لشائبة نفسية وعداوة وإنما كانت على أساس علمي وانتصاراً لدين الله، وهذا كله جعله ـ رحمه الله ـ مفخرة لأهل العلم، وجعل تأثيره عميقاً في عصره والعصور التي تلته، مما يؤهله لأن يكون رائداً من رواد التجديد والإصلاح، وذا شخصية قوية لها بصماتها في تاريخ الأمة.
ومن عجيب ما يتميز به رحمه الله قربه من العامة والخاصة وبساطة أسلوبه، وخلو كتبه من الجفاف والتعقيد، وارتباط أسلوبه بالحياة، حتى وكأنه يعيش في وسطنا، وفتاواه لمعالجة واقعنا، قال عنه الحافظ أبو حفص: « يجري كما يجري التنتار، ويفيض كما يفيض البحر، ويصير منذ يتكلم إلى أن يفرغ كالغائب عن الحاضرين مغمضاً عينيه، ويقع عليه إذ ذاك من المهابة ما يرعد القلوب، ويحير الأبصار والعقول ».
وقال عنه الأقشهري: « وقلمه ولسانه متقاربان »، فمؤلفاته وكتبه ليست منقطعة عن الناس بل هي تشير إلى عواطفه وحماسه وتنبض حياة وحيوية، تدل
__________________
(1) حديث حسن، أخرجه أبو داود في كتاب العلم، باب « الحث على طلب العلم » (٣٦٤١)، والترمذي في كتاب « العلم » (٢٦٨٢)، وابن ماجة (۲۲۳)، والدارمي (٣٤٢)، وأحمد (٥ / ١٩٦).
