كنوز سورة الكوثر
الشيخ محمد إسماعيل المقدم • التفسير • ص 250
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
فيلزم من لفظ (أحبّ): أنَّ ذبح ذلك وإراقة دمه أفضل من التصدق بثمنها؛ لأنَّ (أحبّ) صيغة مبالغة.
الثاني: السُّنَّة الفعلية؛ حيث إنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد ضحَّى عشر سنين، فلو كانت الصدقةُ بثمنها أفضل لَفَعَلَهُ، مع أنَّ الناسَ كثيرًا ما يكونون بحاجةٍ إلى الثَّمَنِ أكثرَ من اللحوم، ومع ذلك لم يتصدق بثمنه، بل ذبح.
فإن قلتَ: لِمَ كانَ الذبحُ أفضلَ؟
قلتُ: لأمرين؛ أولهما: أنَّ سيلانَ الدَّمِ عبادةٌ مقصودة، كما قُصِدَ من الصلاة التعبد الخالص لله تعالى بجميع أفعالها وأقوالها، لذلك قرن الذبح بالصلاة في قوله تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ ﴾ [الكوثر: ٢]، وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، وفي كل ملَّةٍ صلاةٌ ونسيكةٌ لا يقومُ غيرُها مقامَها كما قال ابنُ القَيِّمِ في «تحفة المودود».
ثانيهما: أنَّ مجرد إراقة الدّم شعيرةٌ من شعائر الله تعالى وسنَّةٌ سَنَّها رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإحياءُ السُّنَنِ أفضلُ الأعمالِ»(١)اه.
ومن هنا قال الإمام ابن القيم: «فلو تصدَّق عن دم المتعة والقران بأضعاف القيمة لم يقم مقامه، وكذلك الأضحية»، وأشار رَحِمَهُ اللَّهُ إلى سبب هذا التفضيل فقال: «ولا يُستنكر أن يكونَ هذا حِرْزًا له من ضرر الشيطان بعد ولادته كما كان ذكر اسم الله تعالى عند وضعه في الرحم حِرْزًا له من ضرر الشيطان، ولهذا قلَّ مَنْ يترك أبواه العقيقة عنه إلا وهو في تخبيط من الشيطان، وأسرار الشرع
____________________
(١) «تيسير مسائل الفقه» (٢/ ٦٤٦، ٦٤٧).