رحلة السيرة
رجب أبو بسيسية • السيرة النبوية • ص 100
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
ويربيهم على العبادة والعمل الصالح، وشعروا داخل هذه الدار بالأمن والسلام والدفء التربوي والهدوء والسكينة بعيدًا عن سطوة طغاة قريش، ولم يعرضهم ﷺ لصدام مع صناديد الكفر تكون نتيجته استئصال شأفتهم.
٤- من أهم صفات القائد قدرته على تحديد أولويات المرحلة التي يمر بها؛ فقد كان يلوح في الأفق صدام وشيك، ومزيد من الاضطهاد والتنكيل، وهذا من شأنه، أن يؤثر سلبا على تربية الصحابة، وإعدادهم إعدادًا جيدًا؛ فكان من الحكمة الحرص على إيقاف العنف، وعدم قعقعة السلاح، حتى يكون الجو صافيا، وكان من الحكمة أيضا السرية والاختفاء، والتفرغ للإعداد وللتأهيل؛ فانزوى النبي ﷺ بالأصحاب ليؤهلهم ويرربيهم على الاستقامة على أمر الله، والصبر على الأذى، وتقديم طاعة الله على طاعة أي أحد، حتى يكونوا أقوى عودًا في المستقبل، وكان قرارًا حكيما؛ فقد كان ﷺ يعلم جيدًا أن الدعوة لا زالت في البداية، وأن المجتمع فيه كثير من الشرور، فأخذ النبي ﷺ القرار الأقل تكلفة ليتجنب الكثير من الخسائر المتوقعة في الأفق.
## الهجرة الأولى إلى الحبشة:
أخذ النبي ﷺ قرارًا استراتيجيا وقائيا آخر وهو توجيه الصحابة للهجرة إلى الحبشة؛ لأن الاعتداءات كانت ضعيفة ثم لا تزال تشتد يوما بعد يوم حتى تفاقم الأمر في منتصف السنة الخامسة من البعثة، وأصبح المقام في مكة لا يطاق، وفي هذه الأثناء نزلت على النبي ﷺ سورة الزمر، وفيها إشارة إلى أن أرض الله واسعة، فلماذا ترضوا بالضيق في هذا المكان، وذلك في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر:١٠]، وهنا تعرف الحكمة الإيهية من نزول القرآن منجمًا وذلك لتوجيه النبي ﷺ والصحابة إلى ما يراد منهم وما يرضي الله عنهم، ولتثبيت قلوبهم، ولم يكن اختيار النبي ﷺ للححبشة اختيارًا عشوائيا، بل كان قرارًا مدروسا مبنيا على معلومات صحيحة،
