رحلة السيرة
رجب أبو بسيسية • السيرة النبوية • ص 184
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
وهنا تستشعر أن عبد الله بن حرام شخصية موفقة؛ لأنه أسلم في وقت تاريخي وبايع في العقبة، بل تحول إلى نقيب من النقيب الاثنا عشر، وكان له دور، وقد قُتل شهيدًا، وهو من أهل الجنة، فأنزل الله فيه قرآناً ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران: ١٦٩] (١)، فهذه علامة من علامات التوفيق، وهنا يتذلل العبد لمولاه أن يوفقه ويأخذ بيده للاستقامة، وللعمل الصالح وللحركة من أجل قضية الإسلام.
يقول كعب رضيَ اللَّهُ عَنْهُ: «فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لموعد الرسول ﷺ نتسلل نسلل القطا (٢) مستخفين، حتى اجتمعنا في الشُّعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب - أم عمارة- من بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو - أم منيع - من بني سلمة».
هذا يوضح لنا قدر اهتمام الصحابة بالتكليفات المطلوبة منهم في الأوقات المحددة وقدر محافظتهم على الوقت، وقدر انضباطهم، وهكذا تُبنى الدعوات؛ فلو أن هذا الموعد تأخر ولو وقتًا يسيرًا لاكتُشف، لكن تلحظ من الصحابة تحمل المسؤولية، والقيام بالتكليفات كما هي، ومن أراد أن يبني دعوة أو يعيش لقضية فلينتبه لمثل هذه الصفات ولا يهملها، ومن أراد أن يكون لبنة صالحة لأمته فلا بد من أن يتحلى بالانضباط؛ فالبعض قد يظن أن الصحابة ما كانوا يخططون وأن الأمور كانت تسير معهم عفويًّا، نقول: لا.. بل كان عندهم تخطيط وتنظيم، ويعرفون كيف يتحركون ومتى يتحركون؛ فتخيل ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين خرجوا من بين خمسمائة ولم يُكشف أمرهم، وهذا يدل على استشعارهم لخطورة الموعد، وإدراك معنى العمل تحت الضغط، وفي وقت الشدة، وإدراك الصعوبات والتحديات وهذا يجعل المؤمن يتحرك وبترتيب وتخطيط، وقارن
______
(١) أخرجه الترمذي (٣٠١٠)، وصححه الألباني في الترغيب والترهيب (١٣٦١).
(٢) القطا: طائر معروف، وهو نوع من الحمام.
