رحلة السيرة
رجب أبو بسيسية • السيرة النبوية • ص 186
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده»(١).
فقال كعب: «فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت».
فما أعظم فهم الأنصار! وقوة إيمانهم بالله، وما أعظم شهامتهم وكرسهم ورجولتهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وكلامهم هذا يوضح أن ما قالوه آنفاً: «إلى متى نترك رسول الله ﷺ يخاف ويطرد» لم يكن مجرد عاطفة وحماسة، وغضبة عاطفية لموقف وتتهي، بل كانت غضبة إيمانية، نابعة من إيمان صادق بالله وبرسوله ﷺ؛ لأن بيان العباس لخطورة الموقف لم تغير من وجهة نظرهم شيئًا بل ازدادت رغبتهم وهمتهم لنصرة النبي ﷺ، بخلاف ما نجده في زماننا من كثير ممن يغضب لأجل النبي ﷺ ــ غضبة عاطفية مؤقتة تزول بمرور الوقت وبرودة الحدث الذي أثار عاطفته، وقد نجد في زماننا أيضًا من يتشدق بحب النبي ﷺ وإرادة نصرته لكنه في وقت العمل والجد ينزوي ويتراجع كثيرًا.
وهذا الجواب من الأنصار يدل على عزم صميم وشجاعة مؤمنة وإخلاص كامل في تحمل هذه المسؤولية العظيمة، وتحمل عواقبها الخطيرة، وهنا نذكر مصعب بن عمير رضي الله عنه وأنه في خلال عام واحد استطاع أن يربي للإسلام رجالاً يحملون مثل هذا القلب المؤمن ويقولون مثل هذه الكلمات القوية.
وهنا نقول: نحن في أمس الحاجة في هذه الشدائد التي تمر بها الأمة إلى أصحاب العزم الصميم والشجاعة المؤمنة، والإخلاص الكامل في تحمل المسؤولية، لكننا للأسف
______
(١) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١ / ٤٤٠، ٤٤١).
