رحلة السيرة
رجب أبو بسيسية • السيرة النبوية • ص 196
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
الكهف أووا إلى الله فتلقاهم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من بعيد ومكَّن لهم ونصرهم ورفع شأن الدنيا والآخرة، فكان هذا بمثابة التأهيل للصحابة للاستعداد للطريق لوطن ينطلقون إليه.
ولم يكن معنى الهجرة إلا إهدار المصالح، والتضحية بالأموال، والنجاة بالشخص فحسب، مع الإشعار بأنه مستباح منهوب قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وبأن يسير نحو مستقبل مبهم، لا يدرى ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان(1)، فكانت مخاطرة بكل ما تحمله كلمة مخاطرة من معان، ولكن عندما يكون دين المرء أعز ما يملك يكون بالغ التضحية من أجله وفي سبيله، وما قيمة الأوطان إن كان الإنسان لا ينعم فيها بإقامة دينه والاجتماع بتطبيقه والدعوة إليه.
وإذا كان الرجل الجلد القوي الآمن إذا سافر في الصحراء يخاف الهلكة، فكيف بمن سافر في صحراء وهو مهدر الدم، مسلوب الحق، من يقتله يأخذ الأموال الطائلة، فكان الأمر خطير جد خطير، لكن أقبل المسلمون يهاجرون وهم يقدرون حجم المخاطر والمهالك؛ فرغم الخطورة يقدمون على هذا التحدي، لأن النبي ﷺ رباهم على البذل والتضحية وطلب المغفرة من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهذا الإقدام هو ثمرة هذه التربية النبوية.
لم تكن الهجرة نزهة أو رحلة يُرَوَّح فيها الإنسان عن نفسه ولكنها كانت مغادرة أرض وأهل وعشائر وقربى وأواصر وصداقات وأسباب أرزاق والتخلي عن كل ذلك من أجل إسلامه، وهذا يدلنا على عظيم معدن الصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وقدر بحثهم عن رضا الله عَزَّ وَجَلَّ، في حين أننا نجد بعض الشباب اليوم لربما لا يترك أقل القليل من الكماليات والسفاهات من أجل دينه، لربما لا يترك صحبة تدعوه للفواحش والمنكرات، لكن المهاجر يترك الوطن والدار، والأموال وكل شيء من أجل إسلامه، فالمهاجر يعلن للعالم
______
(1) الرحيق المختوم (ص124).
