رحلة السيرة
رجب أبو بسيسية • السيرة النبوية • ص 202
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
المشهد الثالث:
هذا المشهد يوضح لنا ما كانت تفعله قريش مع كل من يريد الهجرة؛ وهو مشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فمن عبد الله بن العباس رضي الله عنهما قال: قال لي علي بن أبي طالب: ما علمت أن أحدًا من المهاجرين هاجر إلا مختفيًا، إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما همَّ بالهجرة تقلد سيفه، وتكب قوسه، وانتضى في يده أسهمًا، واختصر عنزته، ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعًا متمكنًا، ثم أتى المقام فصلى متمكنًا، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، وقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن تكله أمه، ويوتم ولده، ويرمل زوجته، فيلقني وراء هذا الوادي(١)، هكذا في شجاعة وقوة وصراحة رضي الله عنه وأرضاه.
وعن عبد الله بن عمر، عن أبيه عمر بن الخطاب، قال: اتعدت، -لما أردنا الهجرة إلى المدينة، أنا وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل السهمي- التناضب من أضاة بني غفار، فوق سرف، وقلنا: أينا لم يصبح عنها فقد حبس فليمص صاحبه.
فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة، وكان ابن عمها وأخاها لأمه، حتى قدما علينا المدينة، ورسول الله ﷺ بمكة، فكلماه وقال: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فَرَقَّ لها.
فقلت له: يا عياش، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت، قال: فقال: أبر قسم أمي، ولي هنالك مال فآخذه.
قال: فقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالًا، فلك نصف مالي ولا تذهب معها، قال: فأبى علي إلا أن يخرج معها، فلما أبى ذلك قلت له: أما إذ قد فعلتَ
______
(١) أسد الغابة (٣/ ٦٥٠)، وقال الألباني في الرد على البوطي: «السند بها إليه لا يصح».
