رحلة السيرة
رجب أبو بسيسية • السيرة النبوية • ص 48
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
في معاصيهم ومنكراتهم، لم يكن لم يكن بين يدي النبي ﷺ طريق واضح، أو منهج محدد، أو طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه، فبدأ يُحبب إليه الخلوة، فيأخذ السويق والماء، ويذهب إلى غار حراء، -وهو غار في جبل النور موجود إلى الآن-؛ كما تقول عائشة رضي الله عنها: «ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء»(١)، قيل: هذه الليالي ذوات العدد هي شهر رمضان، يقضيها في العبادة والتفكر في الكون، وفي قدرة خالقه، وهنا نقول لكل من لا يرضيه الانحراف الذي في المجتمع: لا يسعك أن تسلك أي طريق أو تصرف أي تصرف ليس مبنيًا على قواعد شرعية بل تعلم أحكام الرسالة واعمل بها.
وتوفيق النبي ﷺ للخلوة من حسن اختيار رب العالمين له وهو نوع من أنواع التربية والإعداد لشخص النبي ﷺ لأن النفس تحتاج إلى ذلك حتى لا تتأثر بما حولها من انحراف وحتى تنقطع عن شواغل الأرض، لذلك شرع لنا الاعتكاف ليتسنى للمسلم الخلوة بنفسه والبعد عن ضغط الواقع وشواغل الدنيا فهذا أدعى لتقوية القلب، وإزالة ظلمته وتنقينه مما يغلب عليه من الشهوات والهفوات، وهي زاد لتتزود به في تغيير الواقع؛ لذا قال الله عَزَّوَجَلَّ لمشركي قريش: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: ٣٤].
لكن لا بد أن تكون خلوة منضبطة بالشرع وليست هروبًا من الأعباء الدعوية أو التكاليف الشرعية المخالفة لهوى النفس، وينبغي أن تكون الخلوة مدة ولا تطول فتكون سمتًا للشخص وحالًا له وإنما يخلو المؤمن بنفسه ليعود إلى المجتمع أقوى ويعمل بالتكاليف وأعباء الرسالة وليس انزواء وتنصلًا من المسئولية والفرق واضح لكل ذي عقل.
______
(١) أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠).
