شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

رحلة السيرة

رجب أبو بسيسية⁩ • السيرة النبوية • ص 64

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

ومن أهم المعاني التي سعى النبي ﷺ إلى ترسيخها لدى الصحابة في دار الأرقم معنى الأخوة الإيمانية ومعنى التعاون على البر والتقوى؛ وبذلك تبنى الدعوات؛ فالدعوة إلى الله عَزَّ وَجَلَّ تبنى إذا وجد في المجتمع من يحقق الأخوة الإيمانية ومن يمد يده لغيره للتعاون على البر والتقوى، وقد كان المجتمع الجاهلي يقوم على العصبية والحمية الجاهلية والتنافس المذموم، فاستطاع النبي ﷺ أن يحول -لدى الصحابة- هذه الحمية والعصبية الجاهلية للعائلات وللقبائل إلى أخوة إيمانية أقوى من أخوة النسب، حتى إن النبي ﷺ لما هاجر للمدينة وآخى بين المهاجرين والأنصار كانوا يوارثون بناء على هذه الأخوة حتى تُسخ ذلك.

كما استطاع النبي ﷺ أن يحول التنافس المذموم إلى تعاون على البر والتقوى؛ فإن من أهم الركائز في إقامة الدعوة والدولة أن يكون المجتمع صفًا واحدًا كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ ٱلَّلَهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَٰنٌ مَّرْصُوصٌ ﴿٤﴾ ﴾ [الصف: ٤]، فسعى النبي ﷺ في دار الأرقم إلى تكريس معنى العمل الجماعي والتعاون على البر والتقوى، ولربما في دار الأرقم لا نحتاج كثيرًا من التعاون فهي دار يتعبد فيها الأصحاب ويتعلمون القرآن ثم ينتقل كل منهم إلى مكانه، لكن النبي ﷺ كان يعد العدة للمستقبل؛ ويغرس المعاني التي سيحتاجها في المستقبل وهو ما يُسمى بـ (التربية البنائية)؛ فالمستقبل يتطلب إقامة دولة وتبليغ رسالة السماء في ربوع الأرض، وهذه الدولة لن تقوم إلا على لبنات قوية بينها رباط الأخوة الإيمانية وتتعاون فيما بينها على البر والتقوى، وما أحوج أمتنا إلى ذلك في فترة أصبح كل واحد يهوى العمل الفردي ويقدمه على العمل الجماعي والتعاون على المعروف والقيام بالواجبات الكفائية التي تحتاج إليها الأمة اليوم ونحن نرى العالم يتكتل والبعض لا يزال مصرًا على التفرد، والله المستعان.

الصفحة السابقة الصفحة التالية