رحلة السيرة
رجب أبو بسيسية • السيرة النبوية • ص 72
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
□ وتأمل هذا اللفظ: ﴿فَاصْدَعْ﴾ الذي يُشعر بالقوة في الإبلاغ، وأن الدنيا سوف تُشرق عن نور تضيء به الحياة، وتلحظ في هذه الآية معنى الإصرار، والمضي قُدُمًا، وألا تلتفت، بل استفرغ الطاقة والوسع، كما قال تعالى ليحيى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣].
وقوله تعالى: ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي بما أوحي إليك وبما أمرت به وليس بما تهوى ولا بما تحب، وهذه الكلمة ﴿تُؤْمَرُ﴾ تدل بوضوح على أن هذا الأمر ليس من عند رسول الله ﷺ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي لا تنشغل بهم ولا تستجب لتخذيلهم بل أعرض عنهم، وهنـا نقول: ليس التحدي في كيد الباطل، ولا تخطيطه ولا في مؤامرات الغرب والشرق فقط، وإنما التحدي في القيام بما أُمرنا به وألا ينشغل أهل الحق عن الصدع والعمل به ودعوة الناس إليه؛ فالباطل لن يكف ولن يسكت لكن متى قمنا بما أمرنا وصدعنا بما أوحي إلينا فلا يضرنا كيدهم كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠].
فلما نزلت هذه الآيات على النبي ﷺ قام يجهر بالدعوة إلى الإسلام في مجامع المشركين ونواديهم ويتلو عليهم كتاب الله ويقول لهم: «اعبدوا الله ما لكم من إله غيره»، وبدأ ﷺ يعبد ربه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في فناء الكعبة أمام أعينهم، ولم يكن هذا استفزاز لأهل مكة بل صدع بدعوته، ولم يكن هذا تهورًا من النبي ﷺ بل كان يعلم -بعد توكله على ربـه- أنه كان في منعة أبي طالب، وكانت صلاة النبي ﷺ عند الكعبة مشهدًا أخذًا للقلوب، وكان سببًا في دخول البعض في الإسلام^{(١)}، وبدأ يدخل في الإسلام الواحد تلو الآخر، وأكثر من أسلم عاده قومه وأبغضوه.
____
(١) ولعلنا نتذكر هنا قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي؛ إذ كان سبب إسلامه رؤيته للنبي ﷺ وهو يصلي، فنزع القطن من أذنيه واستمع إلى قراءة النبي ﷺ فأسلام [السيرة النبوية لابن هشام (٢/٢٢٦)].
