شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

رحلة السيرة

رجب أبو بسيسية⁩ • السيرة النبوية • ص 86

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

هذا جبناً من النبي ﷺ وإنما كان مراعاة للححال واعتبار المصالح والمفاسد في ذلك، لكان كان ﷺ في هذه الفترة يتابع الصحابة فردًا فردًا ويذهب إليهم سرًا ويواسيهم.

ثم مات ياسر من شدة التعذيب، وطعن الفاجر أبو جهل سمية أم عمار في موطن عفتها فأرداها قتيلة وكانت أول شهيدة في الإسلام(١)، أما عمار فعُذّب على أن يقول كلمة الكفر ووضعوا الحجارة الملتهبة على ظهره وعلى صدره ووضعوه في الماء، فلما اشتد به التعذيب وهو ثابت ساوموه على أن يسب النبي ﷺ ويطلقوه، ففعل من شدة التعذيب والتنكيل ثم تركوه فلما أتى رسول الله ﷺ قال: «ما وراءك؟» قال: شر يا رسول الله؛ ما تُرِكت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنا بالإيمان، قال: «إن عادوا فعد»(٢)، فأنزل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ: ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّم بِالْإِيمَانِ﴾، فنزلت هذه الآية تبين شروط الإكراه المعتبر.

قد يتعرض المسلم إلى ضرورة تُكرهه على إظهار موالاة الكفار والمنافقين أو يدفع عن نفسه شرهم وأذاهم باستعمال التقنية، لذلك لزم عليه أن يكون على بينة من أمره فيما يجوز وما لا يجوز من ذلك، وأن يكون كذلك على علم بحدود الإكراه المعتبر شرعًا وشروطه.

قال تعالى: ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّم بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِم غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، قال ابن كثير: إنها نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشرعون حتى يكفر بمحمد ﷺ، وجاء معتذرا إلى النبي فأنزل الله هذه الآية، ثم قال: ولهذا اتفق العلماء على أنه يجوز أن يوالى المكره على الكفر، إبقاء لمهجته(٣).

______

(1) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣/ ٤٨).

(2) أخرجه البيهقي في الكبرى (٢٠٩/٨).

(3) تفسير ابن كثير (٥٨٧/٢).

الصفحة السابقة الصفحة التالية