القول المبين في حرمة دماء المعصومين وأنواع العهود مع غير المسلمين
صوت السلف • الفقه • ص 214
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
مَسْأَلَةٌ
فِي أَمَانِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَرِيضِ
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَمَانِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَرِيضِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي:
أُولُوا: «الْعَبْدُ»، ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَمَانُ الْعَبْدِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» متفق عليه، وَفَسَّرَهُ مُحَمَّدٌ بِالْعَبْدِ، وَلِقَوْولِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ذِمَّتُهُ ذِمَّتُهُمْ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «يَجُوزُ أَمَانُهُ»، وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ، فَصَحَّ أَمَانُهُ كَالْحُرِّ، وَزَادَ النَّوَوِيُّ: يَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ كَافِرًا، وَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَمَانُ الْعَبْدِ ابْتِدَاءً، وَإِذَا أَمَّنَ فَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ بَيْنَ إِمْضَائِهِ وَرَدِّهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ: لَا يَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَأْذْنَ لَهُ مَوْلَاهُ فِي الْقِتَالِ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَنِ الْقِتَالِ فَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَخَافُونَهُ فَلَمْ يُلَاقِ الْأَمَانُ مَحَلَّهُ، بِخِلَافِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي الْقِتَالَ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ مِنْهُ مُحَقَّقٌ، وَلِأَنَّهُ مَجْلُوبٌ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَنْظُرَ لَهُمْ تَقْدِيمَ مَصْلَحَتِهِمْ.
ثَانِيًا: «الْمَرْأَةُ»، ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ الذُّكُورَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْأَمَانِ، فَيَصِحُّ أَمَانُ الْمَرْأَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» متفق عليه، وقوله: «يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ» (١).
وَلِمَا رُوِيَ: أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَزَوْجَةَ أَبِي الْعَاصِ أَمَنَتْ زَوْجَهَا أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، وَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَانَهَا؛ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَعْجِزُ عَنِ الْوُقُوفِ عَلَى حَالِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ.
وَفِي قَوْلِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَمَانُ الْمَرْأَةِ ابْتِدَاءً، فَإِنْ أَمَنَتْ نَظَرَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنْ شَاءَ أَبْقَاهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَنَصَّ النَّوَوِيُّ عَلَى أَنَّهُ فِي جَوَازِ عَقْدِ الْمَرْأَةِ
______
(١) رواه الطبراني في «الأوسط» (٤٨٢٢)، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٨١٩).