القول المبين في حرمة دماء المعصومين وأنواع العهود مع غير المسلمين
صوت السلف • الفقه • ص 228
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ عَيْنُ مَالٍ لِمُسْلِمٍ، فَأَخَذَهَا عِنْدَ خُرُوجِهِ لِيَرُدَّهَا عَلَى مَالِكِهَا، جَازَ، فَإِنْ شَرَطُوا الْأَمَانَ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، فَهَلْ يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذَا أَخَذَ الْمَغْصُوبَ مِنَ الْغَاصِبِ لِيَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ، وَعَنِ الْقَفَّالِ: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَى الْحَرْبِيِّ بِخِلَافِ الْمَغْصُوبِ، وَلَوْ شَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْخُرُوجِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، حَرُمَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ. وَلَوْ شَرَطُوا أَنْ يَعُودَ، أَوْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَالًا فِدَاءً، فَالْعَوْدُ حَرَامٌ، وَأَمَّا الْمَالُ: فَإِنْ شَرَطَهُمْ عَلَيْهِ مُكْرَهًا، فَهُوَ لَغْوٌ، وَإِنْ صَالَحَهُمْ مُخْتَارًا، لَمْ يَجِبْ بَعْثُهُ، لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ، لِئَلَّا يَمْتَنِعُوا مِنْ إِطْلَاقِ الْأَسَارَى، وَفِي قَوْلٍ قَدِيمٍ: يَجِبُ بَعْثُ الْمَالِ، أَوِ الْعَوْدُ إِلَيْهِمْ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: وَالَّذِي يَقْتَضِي الْمَذْهَبُ أَنَّ المَبْعُوثَ إِلَيْهِمْ اسْتِحْبَابًا أَوْ وُجُوبًا لَا يَمْلِكُونَهُ، لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَلَوْ اشْتَرَى مِنْهُمُ الْأَسِيرُ شَيْئًا لِيَبْعَثَ إِلَيْهِمْ ثَمَنَهُ، أَوْ اقْتَرَضَ: فَإِنْ كَانَ مُخْتَارًا، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا، فَثَلَاثُ طُرُقٍ: الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ، وَيَجِبُ رَدُّ الْعَيْنِ، كَمَا لَوْ أَكْرَهَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا عَلَى الشِّرَاءِ، وَالثَّانِي: الصِّحَّةُ وَيِلْزَمُ الثَّمَنُ، لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ مَعَ الْكُفَّارِ يُتَسَاهَلُ فِيهَا، وَالثَّالِثُ: قَوْلَانِ، الْجَدِيدُ: الْبُطْلَانُ، وَالْقَدِيمُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّ الْعَيْنِ وَرَدِّ الثَّمَنِ، وَوَلَوْ لَمْ يَجْرِ لَفْظُ بَيْعٍ، بَلْ قَالُوا: خُذْ هَذَا، وَابْعَثْ كَذَا مِنَ الْمَالِ، فَقَالَ: نَعَمْ، هُوَ كَالشِّرَاءِ مُكْرَهًا، وَلَوْ أَعْطَوْهُ شَيْئًا لِيَبِيعَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَيَبْعَثُ إِلَيْهِمْ ثَمَنَهُ، فَهُوَ وَكِيلٌ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْوَكِيلِ (١).
قُلْتُ: فِيهِ بَيَانُ ضَرُورَةِ الْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَعَدَمِ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ فِيهَا؛ لِأَنَّ صِفَةَ
____________________
(١) «روضة الطالبين» (١٠ / ٢٨٣ - ٢٨٤).