القول المبين في حرمة دماء المعصومين وأنواع العهود مع غير المسلمين
صوت السلف • الفقه • ص 234
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
كما قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجَّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ١٩، ٢٠].
وسئل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله، وجهاد في سبيله»، قال: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور».
وهكذا لو كان عاجزا عن الهجرة والانتقال إلى المكان الأفضل، التي لو انتقل إليها لكانت الطاعة أهون، وطاعة الله ورسوله في الموضعين واحدة؛ لكنها هناك أشق عليه، فإنه إذا استوت الطاعتان فأشقهما أفضلهما؛ وبهذا ناظر مهاجرة الحبشة المقيمون بين الكفار لمن زعم أنه أفضل منهم، فقالوا: كنا عند البغضاء البعداء، وأنتم عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلم جاهلكم، ويطعم جائعكم، وذلك في ذات الله.
وأما إذا كان دينه هناك أنقص، فالانتقال أفضل له، وهذا حال غالب الخلق؛ فإن أكثرهم لا يدافعون؛ بل يكونون على دين الجمهور»(١).
بين رَحِمَهُ اللَّهُ أن الإقامة في هذه البلاد التي كثر المسلمون فيها جدا، واستقرت أحوال الكثيرين منهم فيها؛ مبني على القدرة على إقامة الدين، والله أعلم.
وقال ابن قدامة رَحِمَهُ اللَّهُ: «فالناس في الهجرة على ثلاثة أضرب:
أحدها: من تجب عليه، وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه، ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار، فهذا تجب عليه الهجرة.
لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧].
وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولأن القيام بواجب دينه واجب على
______
(1) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٣٩-٤١).