القول المبين في حرمة دماء المعصومين وأنواع العهود مع غير المسلمين
صوت السلف • الفقه • ص 235
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب به فهو واجب.
الثاني: من لا هجرة عليه، وهو من يعجز عنها إما لمرض، أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء والولدان، وشبههم، فهذا لا هجرة عليه.
لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٨-٩٩].
ولا توصف باستحباب؛ لأنها غير مقدور عليها.
الثالث: من تستحب له ولا تجب عليه، وهو من يقدر عليها لكنه يتمكن من إظهار دينه، وإقامته في دار الكفر فتستحب له؛ ليتمكن من جهادهم، وتكثير المسلمين، ومعونتهم، فيتخلص من تكثير الكفار، ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه؛ لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة»(١).
وسئل الرملي الشافعي: «عن المسلمين المساكنين في وطن من الأوطان الأندلسية يسمى أرغون، وهم تحت ذمة السلطان النصراني، يأخذ منهم خراج الأرض بقدر ما يصيبونه فيها، ولا يتعد عليهم بظلم غير ذلك، لا في الأموال ولا في أنفس، ولهم جوامع يصلون فيها، ويصومون رمضان، ويتصدقون، ويفكون الأسارى من أيدي النصارى إذا حلوا بأيدهم، ويقيمون حدود الإسلام جهرًا كما ينبغي، ويظهرون قواعد الشريعة عيانا كما يجب، ولا يتعرض لهم النصراني في شيء من أفعالهم الدينية، ويدعون في خطبهم لسلاطين المسلمين من غير تعيين شخص، ويطلبون من الله نصرهم وهلاك أعدائهم الكفار، وهم مع ذلك يخافون أن يكونوا عاصين بإقامتهم ببلاد الكفر.
فهل تجب عليهم الهجرة، وهم على هذه الحالة من إظهار الدين، نظرًا إلى أنهم ليسوا على أمان أن يكلفوهم الارتداد، والعياذ بالله تعالى أو على إجراء أحكامهم
______
(1) «المغني» (١٠/ ٥٠٥).