شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

القول المبين في حرمة دماء المعصومين وأنواع العهود مع غير المسلمين

الشيخ ياسر برهامي • الفقه • ص 269

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (١)، وَلِأَنَّهُ بِالاسْتِيْتَمَانِ ضَمِنَ لَهُمْ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ بِهِمْ، وَإِنَّمَا أَعْطَوْهُ الأَمَانَ بِشَرْطِ عَدَمِ خِيَانَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَذْكُورًا فِي اللَّفْظِ، فَهُوَ مَعْلُومٌ فِي المَعْنَى، وَلَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الغَدْرُ.

وَاسْتَثْنَى الحَنَفِيَّةُ حَالَةَ مَا إِذَا غَدَرَ بِالمُسْلِمِ مَلِكُهُمْ، فَأَخَذَ أَمْوَالَهُ أَوْ حَبَسَهُ، أَوْ فَعَلَ غَيْرَ المُلْكِ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ؛ لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا العَهْدَ.

فَإِنْ خَانَ المُسْلِمُ المُسْتَأْمِنُ الكُفَّارَ، أَوْ سَرَقَ مِنْهُمْ، أَوْ اقْتَرَضَ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ إِلَى أَرْبَابِهِ؛ فَإِنْ جَاءَ أَرْبَابُهُ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ بِأَمَانٍ أَوْ إِيمَانٍ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا ابْعَثْ بِهِ إِلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى وَجْهِ حَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ، فَلَزِمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَ، كَمَا لَوْ أَخَذَ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّعَرُّضُ لَهُمْ إِذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ.

وَقَالَ الحَنَفِيَّةُ: إِذَا دَخَلَ المُسْلِمُ دَارَ الحَرْبِ بِأَمَانٍ وَأَخْرَجَ إِلَيْنَا شَيْئًا مَلَكَهُ مِلْكًا حَرَامًا لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالغَدْرِ؛ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ وُجُوبًا، وَلَوْ لَمْ يُخْرِجْهُ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ (٢).

ب- مُعَامَلَاتُ المُسْتَأْمِنِ المُسْلِمِ المَالِيَّةُ:

نَصَّ جُمْهُورُ الحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَدَانَ حَرْبِيٌّ المُسْلِمَ المُسْتَأْمِنَ دَيْنًا بِبَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ،

____________________

(١) رواه أبو داود (٣٥٩٤)، وصححه الألباني.

(٢) قلتُ: هذا الموضوع غاية في الأهمية؛ إذ إن دخول المسلمين إلى بلاد الكفار أصبح اليوم متكررًا جدًّا، وعامة من يدخل بلادهم، يدخل بجوازات سفر من بلاده التي تربطها بيلاد الكفار معاهدات ومواثيق، أو يدخل بتأشيرة، أو كلا الأمرين معًا؛ وهذا يجعله بالتأكيد في حكم المستأمن؛ يحرم عليه الغدر والخيانة؛ ولا يبيح له شيئًا من أموالهم ولا دمائهم ولا فروجهم؛ خلافًا للعمليات الإجرامية التي تقع على سبيل نقض العهد ممن دخل بلاد الكفار بأمان ثم يغدر بهم ويقتلهم، ويفجّر في أماكن مختلفة من مجتمعاتهم، فيترتب على ذلك من المحرمات الشرعية من الغدر والخيانة ثم المِضَرَّة على المسلمين في بلادهم، وفي بلاد الكفار على الأقليات الإسلامية التي تتضرر أعظم الضرر من تشويه صورة الإسلام، وكل هذا نابعٌ من الغدر والخيانة التي وقعت ممن دخل بلادهم بأمان. ولا يُلْتَفَتُ إلى القول بأن وجود التأشيرة وجواز السفر ليس بأمان؛ فإن هذا كلام غاية في الفساد كما هو معلوم من أن الذي يحصل على تأشيرة لبلاد الكفار لا بد أن يكون قد وَقَعَ على الشروط المؤكدة على عدم الاعتداء عليهم، بل لو لم يوقع لفظًا ولم يكن مذكورًا في اللفظ فهو معلوم في المعنى كما نص العلماء؛ ولا يصلح في ديننا الغدر.

الصفحة السابقة الصفحة التالية