القول المبين في حرمة دماء المعصومين وأنواع العهود مع غير المسلمين
الشيخ ياسر برهامي • الفقه • ص 271
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
وَلَوْ أَغَارَ أَهْلُ الحَرْبِ الَّذِينَ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ مُسْتَأْمِنُونَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأَسَرُوا وَذَرَارِيَّهُمْ، فَمَرُّوا بِهِمْ عَلَى أُولَئِكَ المُسْتَأْمِنِينَ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْقُضُوا عُهُودَهُمْ، وَيُقَاتِلُوهُمْ إِذَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ رِقَابَهُمْ؛ فَتَقْرِيرُهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ تَقْرِيرٌ عَلَى الظُّلْمِ، وَلَمْ يَضْمَنِ المُسْلِمُونَ المُسْتَأْمِنُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، بِخِلَافِ الأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِالإِحْرَازِ وَقَدْ ضَمِنُوا لَهُمْ أَنْ لَا يَتَعَرَّضُوا لِأَمْوَالِهِمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ المَأْخُوذُ ذَرَارِيَّ الحَوَارِجِ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ (١).
د- قَتْلُ المُسْتَأْمِنِ المُسْلِمَ مُسْلِمًا آخَرَ فِي دَارِ الحَرْبِ:
نَصَّ الحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ مُسْلِمَانِ دَارَ الحَرْبِ بِأَمَانٍ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَعَلَى القَاتِلِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي القَتْلِ العَمْدِ، أَمَّا القِصَاصُ فَيَسْقُطُ؛
____________________
= من بلاد الكفار في قتالهم ضد غيرها من البلاد، فضلاً عن أن يكون ذلك قتالاً ضد بلاد المسلمين؛ لغرض احتلالها وقتل أهلها ونهب ثرواتها؛ بل هذا في الحقيقة مناقض لأصل الدين، وذلك لقول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبْتُمْ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [النساء: ٨٨-٨٩].
(١) قلتُ: تنبه إلى قول أهل العلم: «وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْقُضُوا عُهُودَهُمْ، وَيُقَاتِلُوهُمْ إِذَا كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ رِقَابَهُمْ؛ فَتَقْرِيرُهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ تَقْرِيرٌ عَلَى الظُّلْمِ»، وهذا يدلنا على أنهم إذا عجزوا عن نقض العهود والقتال فهم معذورون لعجزهم، وتتضمن: أنه لا يجوز لهم أن يقاتلوهم وهم ما زالوا على عهدهم؛ بل لا بد أن ينبذوا إلى الكفار عَهدهم، ويعلنوا انتهاء الأمان لهم؛ فإذا فعلوا ذلك؛ يحل لهم مناصرة إخوانهم المسلمين، وذلك موافقٌ لقول الله عَزَّوَجَلَّ في سورة الأنفال: ﴿ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ﴾ [الأنفال: ٧٢].
تنبيه ثانٍ: قوله عن ذَرَارِيّ الخوارج: «أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ»: هذا قول جماهير أهل العلم، في أن الخوارج وإن كانوا من شر أهل البدع، ووَرَدَ فيهم من الذم، وأنهم «كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ»، وأنهم «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» فإن جمهور أهل العلم على أنهم ليسوا بكفار، وأما الأحاديث الصحيحة الواردة في أنهم «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»؛ فإنها محمولة على من كان منهم منافقًا في الباطن، أو من أقيمت عليه الحُجَّةُ وَثَبَتَتْ رِدَّتُه، بعد إقامة الحُجَّة، واستيفاء الشروط وانتفاء الموانع؛ وأما قبل ذلك فيُعَامَلُونَ كَمَا عَامَلَهُمْ عَلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ من أنهم من أهل الإسلام، وإن استحقوا العقوبة في الدنيا والآخرة.