القول المبين في حرمة دماء المعصومين وأنواع العهود مع غير المسلمين
الشيخ ياسر برهامي • الفقه • ص 281
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦].
قال ابن كثير رَحِمَهُ اللَّهُ: «﴿بَاخِعٌ﴾، أي: مهلك نفسك بحزنك عليهم؛ ولهذا قال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن.
﴿أَسَفًا﴾ يقول: لا تهلك نفسك أسفًا، قال قَتادة: قاتل نفسك غضبًا وحزنًا عليهم، وقال مجاهد: جزعًا، والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، (١).
وقال السعدي رَحِمَهُ اللَّهُ: «أي: مهلكها غَمًّا وأسفًا عليهم، وذلك أن أجرك وجب على الله، وهؤلاء لو علم الله فيهم خيرًا لهداهم، ولكنه علم أنهم لا يصلحون إلا للنار، فلذلك خذلهم، فلم يهتدوا، فإشغالك نفسك غَمًّا وأسفًا عليهم، ليس فيه فائدة لك.
وفي هذه الآية ونحوها عبرة؛ فإن المأمور بدعاء الخلق إلى الله، عليه التبليغ والسعي بكل سبب يوصل إلى الهداية، وسد طرق الضلال والغواية بغاية ما يمكنه، مع التوكل على الله في ذلك، فإن اهتدوا فبها ونعمت، وإلا فلا يحزن ولا يأْسف، فإن ذلك مضعف للنفس، هادم للقوى، ليس فيه فائدة، بل يمضي على فعله الذي كلف به وتوجه إليه، وما عدا ذلك، فهو خارج عن قدرته، (٢).
وفي قصة الطائف خير شاهد على ذلك: فعن عروة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: أن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حدثته، أنها قالت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن
______
(1) «التفسير ابن كثير» (٥/ ١٣٧).
(٢) «التفسير الكريم الرحمن» (١/ ٤٧٠).