القول المبين في حرمة دماء المعصومين وأنواع العهود مع غير المسلمين
الشيخ ياسر برهامي • الفقه • ص 305
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي
الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص: ١٥-١٩].
فالأمر كان واضحًا عند نبي الله موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فهناك رجل من شيعته
من بني إسرائيل، وهناك أعداء، فالتمييز حاصل، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى
الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، ولا شك أن هذا منظر مؤلم، أن يرى موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ واحدًا من
الطائفة المستضعفة يُضرب، يريد عدوه أن يُهينه، ويوشك أن يُقتل، وهو مظلوم،
وموسى عَلَيْهِ السَّلَامُ لا يمكن أن يترك المظلوم، وهذا هو الأصل ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى
عَلَيْهِ﴾ فموسى عَلَيْهِ السَّلَامُ كان قد آتاه الله قوة عظيمة.
وتأمل في حال موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ الذي لم يقصد، ولم يتعمد أن يقتل هذا الرجل،
بل كان يريد أن يدفعه فقط، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسَى الَّذِي
قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً»(١)، وهو رجل كافر معتد ظالم، ويريد قتل رجل من
الطائفة المظلومة، لكن ضربه موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ ضربة كانت فيها نهايته، تأمل كيف
وزنها موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ولماذا وزنها بهذه الطريقة؟ ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ
عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾.
سبحان الله، فهذا كافر ظالم، معتد، يريد قتل مظلوم، ويقوم بضربه، ومع
ذلك يكون دفعه وقتله خطأً لا قصدًا ومع ذلك جعله موسى من عمل الشيطان
وعدواته؛ لأن الشيطان يريد من وراء ذلك أن يدمر أمة، ويريد أن يدمر الدعوة،
ويوقف خيرًا مستمرًا في المجتمع؛ بوجود موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ، لأنه عدو مضلّ
مبين، فسمى موسى فعلته خطيئة؛ وظلمًا لنفسه، ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي
فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
وفي حديث الشفاعة قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يَا
مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، فَضَّلَكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى
______
(1) رواه مسلم (٢٩٠٥).