القول المبين في حرمة دماء المعصومين وأنواع العهود مع غير المسلمين
الشيخ ياسر برهامي • الفقه • ص 310
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
الصادرة عن المكلفين بالإقدام وبالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعًا ومصلحة فيه تستجلْب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل الفعل، على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسد تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول بالمشروعية تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة»(١).
قال ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ: «فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم، ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها.
فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتم دلالة وأصدقها..
ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار، رأها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته؛ فتولد منه ما هو أكبر منه، بل كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه؛ خشية وقوع ما هو أعظم منه من: عدم احتمال قريش لذلك؛ لقرب عهدهم بالإسلام؛ وكونهم حديثي عهد بكفر...
______
(١) «الموافقات» (٥/ ١٧٧ - ١٧٨).