الشهادتان أول واجب على كل إنسان
الشيخ محمد إسماعيل المقدم • العقيدة والتوحيد • ص 289
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
لم يقبلوا ولم يلتفتوا، فمال إلى طريق يستدرجهم إلى استماع الحجة وذلك بأن ذكر كلامًا يوهم كونه مساعدًا لهم على مذهبهم مع أن قلبه كان مطمئنًا بالإيمان، ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله وإن لم يقبلوا، وقرر الإمام هذا بأنه عليه الصلاة والسلام لما لم يجد إلى الدعوة طريقًا سوى هذا الطريق؛ وكان مأمورًا بالدعوة إلى الله تعالى كان بمنزلة المكره على كلمة الكفر، ومعلوم أنه عند الإكراه يجوز إجراء كلمة الكفر على اللسان، وإذا جاز ذلك لبقاء شخص واحد فبأن يجوز لتخليص عام من العقلاء عن الكفر والعقاب المؤبد كان ذلك أولى، فكلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان من باب الموافقة ظاهرًا للقوم حتى إذا أورد عليهم الدليل المبطل لقولهم كان قبولهم له أتم، وانتفاعهم باستماعه أكمل، ثم قال: ومما يقوي هذا القول أنه تعالى حكى عنه مثل هذا الطريق في موضع آخر، وهو قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وذلك لأن القوم كانوا يستدلون بعلم النجوم على حصول الحوادث المستقبلة؛ فوافقهم في الظاهر مع أنه كان بريئًا عنه في الباطن ليتوصل بذلك إلى كسر الأصنام، فمتى جازت الموافقة لهذا الغرض فلم لا تجوز في مسئلتنا لمثل ذلك، وقيل: إن القوم بينما كانوا يدعونه عليه الصلاة والسلام إلى عبادة النجوم وكانت المناظرة بينهم قائمة على ساق إذ طلع النجم فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ على معنى هذا هو الرب الذي تدعونني إليه؟ وقيل، وقيل، والكل ليس بشيء عند المحققين لاسيما ما قرره الإمام، وتلك الأقوال كلها مبنية على أن هذا القول كان بعد البلوغ ودعوة القوم إلى التوحيد وسياق الآية وسباقها شاهدا عدل على ذلك.
وزعم بعضهم أنه كان قبل البلوغ، ولا يلزمه اختلاج شك مؤد إلى كفر؛ لأنه لما آمن بالغيب أراد أن يؤيد ما جزم به بأنه لو لم يكن الله تعالى إلهًا وكان ما يعبده قومه لكان إما كذا وإما كذا، والكل لا يصلح لذلك، فيتعين كون الله تعالى إلهًا، وهو خلاف الظاهر، ويأباه السياق والسباق كما لا يخفى. وزعم أنه عليه الصلاة والسلام قال ما قال إذ لم يكن عارفًا بربه.