الجامع لأحكام الصيام وأعمال شهر رمضان
الشيخ أحمد حطيبة • الفقه • ص 254
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي «فَتْحِ البَارِي»:
وَقَوْلُهَا {:فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ} وَفِي رِوَايَةٍ {:كَانَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، فَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ دَخَلَ}.
وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ أَوَّلَ الوَقْتِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ المُعْتَكِفُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَهُوَ قَوْلُ الأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالثَّوْرِيِّ.
وَقَالَ الأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ وَطَائِفَةٌ: يَدْخُلُ قُبَيْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَأَوَّلُوا الحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَلَكِنَّمَا تَخَلَّى بِنَفْسِهِ فِي المَكَانِ الَّذِي أَعَدَّهُ لِنَفْسِهِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ.
قَوْلُهَا: (فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ) وَكَأَنَّهُ H خَشِيَ أَنْ يَكُونَ الحَامِلُ لَهُنَّ عَلَى ذَلِكَ المُبَاهَاةَ وَالتَّنَافُسَ النَّاشِئَ عَنْ الغَيْرَةِ حِرْصًا عَلَى القُرْبِ مِنْهُ خَاصَّةً فَيَخْرُجُ الِاعْتِكَافُ عَنْ مَوْضُوعِهِ، أَوْ لَمَّا أَذِنَ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ أَوَّلًا كَانَ ذَلِكَ خَفِيفًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يُفْضِي إِلَيْهِ الأَمْرُ مِنْ تَوَارُدِ بَقِيَّةِ النِّسْوَةِ عَلَى ذَلِكَ فَيَضِيقُ المَسْجِدُ عَلَى المُصَلِّينَ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنَّ اجْتِمَاعَ النِّسْوَةِ عِنْدَهُ يُصَيِّرُهُ كَالْجُلُوسِ فِي بَيْتِهِ، وَرُبَّمَا شَغَلْنَهُ عَنْ التَّخَلِّي لِمَا قَصَدَ مِنْ العِبَادَةِ فَيَفُوتُ مَقْصُودُ الِاعْتِكَافِ.
قَوْلُهَا: (فَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ) وَفِي رِوَايَةٍ {:فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ العَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ}، وَفِي رِوَايَةٍ {:فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي العَشْرِ الأُولِ مِنْ شَوَّالٍ}. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ المُرَادَ بِقَوْلِهِ: «آخِرِ العَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ» انْتِهَاءُ اعْتِكَافِهِ.
قَالَ الإِسْمَاعِيلِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِكَافِ بِغَيْرِ صَوْمٍ، لِأَنَّ أَوَّلَ شَوَّالٍ هُوَ يَوْمُ الفِطْرِ وَصَوْمُهُ حَرَامٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: فِي اعْتِكَافِهِ فِي شَوَّالٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّوَافِلَ المُعْتَادَةَ إِذَا فَاتَتْ تُقْضَى اسْتِحْبَابًا.
وَقَالَ ابْنُ المُنْذِرِ وَغَيْرُهُ: فِي الحَدِيثِ إِنَّ المَرْأَةَ لَا تَعْتَكِفُ حَتَّى تَسْتَأْذِنَ زَوْجَهَا وَأَنَّهَا إِذَا اعْتَكَفَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَلَهُ أَنَّ يَرْجِعَ فَيَمْنَعَهَا.
وَفِيهِ جَوَازُ ضَرْبِ الأَخْبِيَةِ فِي المَسْجِدِ، وَأَنَّ الأَفْضَلَ لِلنِّسَاءِ أَنْ لَا يَعْتَكِفْنَ فِي المَسْجِدِ، وَفِيهِ جَوَازُ الخُرُوجِ مِنْ الِاعْتِكَافِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِالنِّيَّةِ وَلَا بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ سَائِرُ التَّطَوُّعَاتِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِاللُّزُومِ.
وَفِيهِ أَنَّ المَسْجِدَ شَرْطٌ لِلِاعْتِكَافِ لِأَنَّ النِّسَاءَ شُرِعَ لَهُنَّ الِاحْتِجَابُ فِي البُيُوتِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ المَسْجِدُ شَرْطًا لَمَا وَقَعَ مَا ذُكِرَ مِنْ الإِذْنِ وَالمَنْعِ وَالاِكْتِفَاءِ لَهُنَّ بِالِاعْتِكَافِ فِي مَسَاجِدِ بُيُوتِهِنَّ:
وَفِيهِ شُؤْمُ الغَيْرَةِ لِأَنَّهَا نَاشِئَةٌ عَنْ الحَسَدِ المُفْضِي إِلَى تَرْكِ الأَفْضَلِ لِأَجْلِهِ، وَفِيهِ تَرْكُ الأَفْضَلِ إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَأَنَّ مَنْ خَشِيَ عَلَى عَمَلِهِ الرِّيَاءَ جَازَ لَهُ تَرْكُهُ وَقَطْعُهُ، وَفِيهِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَجِبُ بِالنِّيَّةِ، وَأَمَّا الِاسْتِحْبَابُ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَلِهَذَا لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ نِسَاءَهُ =
