شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الجامع لأحكام الصيام وأعمال شهر رمضان

الشيخ أحمد حطيبة • الفقه • ص 258

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

=

قَالَ النَّوَوِيُّ فِي «المَجْمُوعِ»: فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ العُلَمَاءِ فِي مَسَاجِدِ الِاعْتِكَافِ:

مَذْهَبُنَا اشْتِرَاطُ المَسْجِدِ لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَدَاوُدُ، وَحَكَى ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: إنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ H، وَمَا أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يَصِحُّ عَنْهُ.

وَحَكَى هُوَ وَغَيْرُهُ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ الصَّحَابِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: المَسْجِدِ الحَرَامِ وَمَسْجِدِ المَدِينَةِ وَالأَقْصَى.

وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالحَكَمُ وَحَمَّادٌ: لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الجَامِعِ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ: يَصِحُّ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ يُصَلَّى فِيهِ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا، وَتُقَامُ فِيهِ الجَمَاعَةُ.

وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: [ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ] وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ الآيَةِ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الِاعْتِكَافُ فِي غَيْرِ المَسْجِدِ لَمْ يَخُصَّ الحَرْفُ بِالمُبَاشَرَةِ بِالِاعْتِكَافِ فِي المَسْجِدِ، لِأَنَّهَا مُنَافِيَةٌ لِلِاعْتِكَافِ، فَعُلِمَ أَنَّ المَعْنَى بَيَانُ أَنَّ الِاعْتِكَافَ إنَّما يَكُونُ فِي المَسَاجِدِ.

وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُهُ فِي المَسَاجِدِ صَحَّ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ، وَلَا يُقْبَلُ تَخْصِيصُ مَنْ خَصَّهُ بِبَعْضِهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي التَّخْصِيصِ شَيْءٌ صَرِيحٌ.

قَالَ الكَاسَانِيُّ الحَنَفِيُّ فِي «بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ» (مُخْتَصَرًا):

المَسْجِدُ شَرْطٌ فِي نَوْعَيْ الِاعْتِكَافِ: الوَاجِبِ وَالتَّطَوُّعِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: [ڎ ڎ ڈ ڈ ژ ژ] وَوَصَفَهُمْ بِكَوْنِهِمْ عَاكِفِينَ فِي المَسَاجِدِ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يُبَاحُوا الجِمَاعَ فِي المَسَاجِدِ؛ لِيُنْهَوْا عَنْ الجَمَاعِ فِيهَا؛ فَدَلَّ أَنَّ مَكَانَ الِاعْتِكَافِ هُوَ المَسْجِدُ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الِاعْتِكَافُ الوَاجِبُ وَالتَّطَوُّعُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ مُطْلَقٌ. وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ وَمَسْجِدِ المَدِينَةِ وَمَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ فَيُحْمَلُ عَلَى بَيَانِ الأَفْضَلِ، فَأَفْضَلُ الِاعْتِكَافِ أَنْ يَكُونَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ ثُمَّ فِي مَسْجِدِ المَدِينَةِ وَهُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ H ثُمَّ فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى ثُمَّ فِي المَسْجِدِ الجَامِعِ ثُمَّ فِي المَسَاجِدِ العِظَامِ الَّتِي كَثُرَ أَهْلُهَا وَعَظُمَ مَجْمَعُ المُسْلِمِينَ لِإِقَامَةِ الجُمُعَةِ ثُمَّ بَعْدَهُ المَسَاجِدُ الكِبَارُ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الجَوَامِعِ لِكَثْرَةِ أَهْلِهَا.

أَمَّا المَسْجِدُ الحَرَامُ وَمَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ H فَلِمَا رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ H أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنْ المَسَاجِدِ مَا خَلَا المَسْجِدَ الحَرَامَ»؛ وَأَنَّ لِلْمَسْجِدِ الحَرَامِ مِنْ الفَضَائِلِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، مِنْ كَوْنِ الكَعْبَةِ فِيهِ وَلُزُومِ الطَّوَافِ بِهِ ثُمَّ بَعْدَهُ مَسْجِدُ المَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُ مَسْجِدُ أَفْضَلِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ لِأَنَّهُ مَسْجِدُ الأَنْبِيَاءِ عليهم الصالة والسلام وَإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَمَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ H مَسْجِدٌ أَفْضَلُ مِنْهُ ثُمَّ المَسْجِدُ الجَامِعُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الجَوَامِعِ.

الصفحة السابقة الصفحة التالية