شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الجامع لأحكام الصيام وأعمال شهر رمضان

الشيخ أحمد حطيبة • الفقه • ص 307

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

=

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ، مِثْلَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي الْإِبِلِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَمِثْلَ مَنْ يَبِيعُ عِنَبَهُ وَرُطَبَهُ قَبْلَ الْيُبْسِ. وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ صَرِيحًا. فَإِنَّهُ مَنَعَ مِنْ إِخْرَاجِ القِيمِ. وَجَوَّزَهُ فِي مَوَاضِعَ لِلْحَاجَةِ؛ لَكِنْ مَنْ أَصْحَابِهِ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ جَوَازَهُ. فَجَعَلُوا عَنْهُ فِي إِخْرَاجِ القِيمَةِ رِوَايَتَيْنِ. وَاخْتَارُوا الْمَنْعَ؛ لِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنْهُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ.

وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ: كَسَائِرِ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ؛ فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ المُوجِبَةَ لِلْعَيْنِ نَصًّا وَقِيَاسًا كَمَا ذَكَرْنَا مِثْلَهُ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ وُجُوبَ الْعَيْنِ قَدْ يُعَارِضُهَا أَحْيَانًا مِنْ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ وَفِي الْمَشَقَّةِ المَنْفِيَّةِ شَرْعًا.

وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: عَنْ تَاجِرٍ هَلْ يَجُوزُ أنْ يُخْرِجَ مِنْ زَكَاتِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ صِنْفًا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ؟

فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. إِذَا أَعْطَاهُ دَرَاهِمَ أَجْزَأَ بِلَا رَيْبٍ.

وَأَمَّا إِذَا أَعْطَاهُ القِيمَةَ فَفِيهِ نِزَاعٌ: هَلْ يَجُوزُ مُطْلَقًا؟ أَوْ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا؟ أَوْ يَجُوزُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِلْحَاجَةِ أَوْ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ؟

عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ -فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ-. فَإِنْ كَانَ آخِذُ الزَّكَاةِ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا كُسْوَةً فَاشْتَرَى رَبُّ الْمَالِ لَهُ بِهَا كُسْوَةً وَأَعْطَاهُ فَقَدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ.

وَأَمَّا إِذَا قَوَّمَهُ وَالثِّيَابَ الَّتِي عِنْدَهُ وَأَعْطَاهَا فَقَدْ يُقَوِّمُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ السِّعْرِ وَقَدْ يَأْخُذُ الثِّيَابَ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا بَلْ يَبِيعُهَا فَيَغْرَمُ أُجْرَةَ الْمُنَادِي وَرُبَّمَا خَسِرَتْ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ.

وَالْأَصْنَافُ الَّتِي يُتَّجَرُ فِيهَا يَجُوزُ أنْ يُخْرِجَ عَنْهَا جَمِيعًا دَرَاهِمَ بِالْقِيمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ دَرَاهِمُ فَأَعْطَى ثَمَنَهَا بِالْقِيمَةِ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ ثَمَنُهَا، فَأَطَاسَى الْفُقَرَاءَ فَأَعْطَاهُمْ مِنْ جِنْسِ مَالِهِ.

وَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا: أَنَّ إِخْرَاجَ القِيمَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ مَمْنُوعٌ مِنْهُ وَلِهَذَا قَدَّرَ النَّبِيُّ H الْجَبْرَانَ بِشَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَلَمْ يَعْدِلْ إِلَى القِيمَةِ مُطْلَقًا؛ وَلِأَنَّهُ مَتَى جَوَّزَ إِخْرَاجَ القِيمَةِ مُطْلَقًا فَقَدْ يَعْدِلُ الْمَالِكُ إِلَى أَنْوَاعٍ رَدِيئَةٍ وَقَدْ يَقَعُ فِي التَّقْوِيمِ ضَرَرٌ وَأَنَّ الزَّكَاةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَهَذَا مُعْتَبَرٌ فِي قَدْرِ الْمَالِ وَجِنْسِهِ.

وأما إخراج القِيمَةِ لِلْحَاجَةِ أَوْ المصلَحَةِ أَوْ العدْلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ:

مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَةَ بُسْتَانِهِ أَوْ زَرْعَهُ بِدَرَاهِمَ فَهُنَا إِخْرَاجُ عُشْرِ الدَّرَاهِمِ يُجْزِئُهُ وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرًا أَوْ حِنْطَةً إِذْ كَانَ قَدْ سَاوَى الْفَقَرَاءَ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ.

وَمِثْلَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يَبِيعُهُ شَاةً فَإِخْرَاجُ القِيمَةِ وَلَا يُكَلَّفُ السَّفَرَ إِلَى مَدِينَةٍ أُخْرَى لِيَشْتَرِيَ شَاةً.

وَمِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلزَّكَاةِ طَلَبُوا مِنْهُ إِعْطَاءَ القِيمَةِ لِكَوْنِهَا أَنْفَعَ فَيُعْطِيهِمْ إِيَّاهَا.

أو يرى السَّاعِيَ أَنَّ أَخْذَهَا أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ. كَمَا نُقِلَ عَنْ مُعَاذَ بْنُ جَبَلٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْيَمَنِ: «ائْتُونِي بِخَمِيصِ أَوْ لَبِيسٍ أَسْهَلَ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِمَنْ فِي الْمَدِينَةِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ».

الصفحة السابقة الصفحة التالية