الجامع لأحكام الصيام وأعمال شهر رمضان
الشيخ أحمد حطيبة • الفقه • ص 51
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
=
-16 وَلاَ يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ إِلاَّ بِرُؤْيَةِ الهِلاَلِ
وَقَعَ الخَوْضُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ مُنْذُ أَوَاخِرِ القَرْنِ الهِجْرِيِّ الأَوَّلِ، فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا أَحَدُ التَّابِعِينَ وَبُحِثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ لَدُنْ فُقَهَائِنَا السَّابِقِينَ بِالقَدْرِ الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ. وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ بَحْثِهِ وُجُودُ لَفْظَةٍ مُشْكِلَةٍ فِي حَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ A اخْتَلَفَ الشُّرَّاحُ فِي المُرَادِ مِنْهَا، وَاسْتَدَلَّ بِهَا القَائِلُونَ بِالحِسَابِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ. وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ مِنْ إِرْنَاعِهِ بِتَفْسِيرِ الَّذِينَ اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى جَوَازِ الاعْتِمَادِ عَلَى الحِسَابِ فِي إِثْبَاتِ الهِلاَلِ، ثُمَّ آرَاءُ الذينَ فَهِمُوا مِنْهُ خِلاَفَ فَهْمِهِمْ.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ L أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ A ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: «لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُوا الهِلاَلَ، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». عَلَّقَ الحَدِيثَ بِدَايَةَ صِيَامِ رَمَضَانَ وَالشُّرُوعَ فِي الإِفْطَارِ بِرُؤْيَةِ الهِلاَلِ، وَأَمَرَ عِنْدَ تَعَذُّرِهَا فِي حَالَةِ الغَيْمِ بِالتَّقْدِيرِ، فَقَالَ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ»، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي المُرَادِ مِنْ هَذِهِ العِبَارَةِ.
رَأْيُ القَائِلِينَ بِالحِسَابِ: تَضَمَّنَ هَذَا الرَّأْيُ القَوْلَ بِتَقْدِيرِ الهِلاَلِ بِالحِسَابِ الفَلَكِيِّ، وَنُسِبَ إِلَى مُطَرِّفِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ مِنْ التَّابِعِينَ وَأَبِي العَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ قُتَيْبَةَ مِنْ المُحَدِّثِينَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لاَ يَصِحُّ عَنْ مُطَرِّفٍ، وَنَفَى نِسْبَةَ مَا عُرِفَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ إِلَى الشَّافِعِيِّ لأَنَّ المَعْرُوفَ عَنْهُمَا عَلَيْهِ الجُمْهُورُ. وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ مُطَرِّفٍ قَوْلَهُ: «يُعْتَبَرُ الهِلاَلُ إِذَا غُمَّ بِالنُّجُومِ وَمَنَازِلِ القَمَرِ وَطَرِيقِ الحِسَابِ»، قَالَ: وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي رِوَايَةٍ، وَالمَعْرُوفُ لَهُ المَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ لاَ يُصَامُ إِلاَّ بِرُؤْيَةٍ فَاشِيَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَادِلَةٍ كَالَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ. وَعَنْ مُطَرِّفٍ أَيْضًا أَنَّ العَارِفَ بِالحِسَابِ يَعْمَلُ بِهِ فِي نَفْسِهِ. أَمَّا ابْنُ سُرَيْجٍ فَاعْتَبَرَ قَوْلَهُ: «فَاقْدُرُوا لَهُ»: خِطَابًا لِمَنْ خَصَّهُ A بِعِلْمِ الحِسَابِ وَقَوْلَهُ H فِي الحَدِيثِ الآخَرِ: «فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ» خِطَابًا لِلْعَامَّةِ.
وَبَيَّنَ ابْنُ الصَّلاَحِ مَا قَصَدَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ المَعْرِفَةِ بِالحِسَابِ فَقَالَ: «مَعْرِفَةُ مَنَازِلِ القَمَرِ هِيَ مَعْرِفَةُ سَيْرِ الأَهِلَّةِ، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الحِسَابِ فَأَمْرٌ دَقِيقٌ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الآحَادُ. فَمَعْرِفَةُ مَنَازِلِ القَمَرِ تُدْرَكُ بِأَمْرٍ مَحْسُوسٍ يُدْرِكُهُ مَنْ يُرَاقِبُ النُّجُومَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَقَالَ بِهِ فِي حَقِّ العَارِفِ بِهَا فِيمَا يَخُصُّهُ».
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي حُكْمِ صِيَامِ العَارِفِ بِالحِسَابِ عِنْدَ ثُبُوتِ الهِلاَلِ عِنْدَهُ، فَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ بِجَوَازِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ لُزُومُ الصِّيَامِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. وَعَنْ بَعْضِ الحَنَفِيَّةِ قَوْلٌ: لاَ بَأْسَ بِالاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِ المُنَجِّمِينَ.
وَقَالَ القُشَيْرِيُّ: «إِذَا دَلَّ الحِسَابُ عَلَى أَنَّ الهِلاَلَ قَدْ طَلَعَ مِنَ الأُفُقِ عَلَى وَجْهٍ يُرَى لَوْلاَ وُجُودُ المَانِعِ كَالغَيْمِ مَثَلاً، فَهَذَا يَقْتَضِي الوُجُوبَ لِوُجُودِ السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ، وَلَيْسَ حَقِيقَةُ الرُّؤْيَةِ مَشْرُوطَةً فِي اللُّزُومِ، فَإِنَّ الاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ المَحْبُوسَ فِي المَطْمُورَةِ إِذَا عَلِمَ بِإِتْمَامِ العِدَّةِ أَوْ بِالاجْتِهَادِ أَنَّ اليَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ».
آرَاءُ القَائِلِينَ بِعَدَمِ إِثْبَاتِ الأَهِلَّةِ بِالحِسَابِ وَأَدِلَّتُهُمْ:
