شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الجامع لأحكام الصيام وأعمال شهر رمضان

الشيخ أحمد حطيبة • الفقه • ص 58

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

17- إذا ظهرَ الهلالُ في بلدٍ دونَ غيرِهِ

= فصْلٌ: مسألةُ رؤيةِ بعضِ البلدانِ للرّؤيةِ لجميعِها فيْها اضطرابٌ: فإنّه قد حكى ابنُ عبدِ البرِّ أنَّ الخلافَ فيما يمكنُ اتفاقُ المطالعِ فيهِ، فأمّا ما كان مثلَ الأندلسِ وخراسانَ فلا خلافَ أنّه لا يُعتبرُ.

وإذا اعتبارنا حدّاً: كمسافةِ القصرِ أو الأقلِّمِ فعليهِ أنْ يصومَ ويُفطرَ ونسكَ، وآخرُ بينَهُ وبينَهُ غلوةُ سَهمٍ لا يفعلُ شيئاً من ذلكَ وليسَ من دلمِلمينَ.

فلما دلّ عليهِ قولُهُ H: «صومُكُم يومَ تصومُونَ، وفطرُكُم يومَ تفطرُونَ، وأضحاكُم يومَ تضحّونَ».

فإذا شهدَ شاهدٌ ليلةَ الثلاثينَ من شعبانَ أنّه رآهُ بمكانٍ من الأمكنةِ قريبٍ أو بعيدٍ وجبَ الصّومُ. والاعتبارُ ببلوغِ العلمِ بالرّؤيةِ في وقتٍ يفيدُ، فالضابطُ أنّ مدارَ هذا الأمرِ على البلوغِ لقولِهِ: «صوموا لرؤيتِهِ» فمن بلغَهُ أنّه رئيَ ثبتَ في حقِّهِ من غيرِ تحديدٍ بمسافةٍ أصلاً.

والحُجّةُ فيه أنّا نعلمُ بيقينٍ أنّه ما زالَ في عهدِ الصحابةِ والتّابعينَ يُرى الهلالُ في بعضِ أمصارِ المسلمينَ بعدَ بعضٍ فإنَّ هذا من الأمورِ المعتادةِ التي لا تبديلَ لها، ولا بدُّ أنْ يبلغَهُم الخبرُ أثناءَ الشّهرِ، فلو كان يجبُ عليهم القضاءُ لكانت هممُهُم تتوفّرُ على البحثِ عن رؤيتِهِ في سائرِ بلدانِ الإسلامِ كتوفّرِها على البحثِ عن رؤيتِهِ في بلدِهِ، ولكان القضاءُ يكثرُ في أكثرِ الرمضاناتِ، ومثلُ هذا لو كان لنقلَ، ولما لم ينقلْ دلّ على أنّه لا أصلَ لهُ، وحديثُ ابنِ عباسٍ يدلُّ على هذا.

فتلخّصُ: أنّه من بلغَهُ رؤيةُ الهلالِ في الوقتِ الذي يؤدي بتلكَ الرّؤيةِ ووجوبِ الصّومِ أو الفطرِ أو النُّسكِ وجبَ اعتبارُ ذلكَ بالشّكِّ والنصوصِ وآثارِ السّلَفِ تدلُّ على ذلكَ. ومن حدّدَ ذلكَ بمسافةِ قصرٍ أو إقليمٍ فقولُهُ مخالِفٌ للعقلِ والشرعِ. اهـ ملخّصاً.

وقالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ في «فتح الباري»:

قولُ النّبيِّ H: «فلا تصومُوا حتى ترَوْهُ»:ليس المرادُ تعليقَ الصّومِ بالرّؤيةِ في حقِّ كلِّ أحدٍ، بل المرادُ بذلكَ رؤيةُ بعضِهم وهو من يثبتُ به ذلكَ، إمّا واحدٌ على رأي الجمهورِ أو اثنانِ على رأي آخرينَ.

ووافَق الحنَفية على الأولِ إلاّ أنهم خصّوا ذلكَ بما إذا كانت السماءُ علةً من غيمٍ وغيرِهِ، وإلاّ متى كان صحواً لم يُقبلْ إلاّ من جمعٍ كثيرٍ يقعُ العلمُ بخبرِهِمْ. وقد تمسّكُ بتعليقِ الصّومِ بالرّؤيةِ من ذهبَ إلى إلزامِ أهلِ البلدِ برؤيةِ أهلِ بلدِ غيرِها، ومن لم يذهبْ إلى ذلكَ قالَ: لأنَّ قولَهُ «حتّى ترَوْهُ» خطابٌ لأنّاسٍ مخصوصينَ فلا يلزمُ غيرَهُم، ولا يتوقفُ الحالُ على رؤيةِ كلِّ واحدٍ، لكنّه مصروفٌ عن ظاهرِهِ فلا يتّقيدُ بالبلدِ. وقد اختلفَ العلماءُ في ذلكَ على مذاهبَ:

أحدُها: لأهلِ كلِّ بلدٍ رؤيتُهم، وفي صحيحِ مسلمٍ من حديثِ ابنِ عباسٍ ما يشهدُ لهُ، وحكاهُ ابنُ المنذرِ عن عكرمةَ والقاسمِ وسالمٍ وإسحاقَ، وحكاه التّرمذيُّ عن أهلِ العلمِ ولم يحكِ سواه، وحكاه الماورديُّ وجهاً للشّافعيّةِ.

الصفحة السابقة الصفحة التالية