الجامع لأحكام الصيام وأعمال شهر رمضان
الشيخ أحمد حطيبة • الفقه • ص 86
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
-32 ولو أكَل ظانّاً غروب الشمس فبانَت طالِعةً:
=الشَّمس، فقال عمر: الخطب يسيرٌ، وقد اجتهدنا) قال مالك: يريد بقوله«:الخطب يسير»، القضاء فيما نرى. والله أعلم. وكذلك قال الشَّافعيُّ، وهذا لا يناقض الأثر المتقدِّم.
«وقد اجتهدنا» مؤذِنٌ بعدم القضاءِ. وقوله«:الخطب يسير» إنَّما هو تهوين لما فعلُوه وتيسير لأمره.
ولكن قد رواه الأثرم والبيهقيُّ عن عمر، وفيهِ «:من كان أفطر فليصم يوماً مكانه».
وقدَّم البيهقيُّ هذه الرِّواية على رواية زيد بن وهبٍ، وجعلها خطأً، وقال: تظاهرت الرِّوايات بالقضاء، وقال: وكان يعقوب بن سفيان الفارسي يحمل على زيد بن وهب بهذه الرِّواية المخالفة للرِّوايات المتقدِّمة، قال: وزيد ثقةٌ إلَّا أنَّ الخطأ عليه غير مأمونٍ.
وفيما قاله نظرٌ، فإنَّ الرواية لم تتظاهر عن عمر بالقضاءِ، وإنَّما جاءت من رواية علي بن حنظلة عن أبيه، وكان أبوه صديقاً لعمرَ، فذكر القصة وقال فيها(:من كان أفطر فليصم يوما مكانه) ولم أرَ الأمر بالقضاء صريحاً إلَّا في هذه الرِّواية، وأما رواية مالكٍ فليس فيها ذكر للقضاءِ ولا لعدمه.
فتعارضت رواية حنظلة ورواية زيد بن وهبٍ، وتفضلها رواية زيد بن وهب بقدر ما بين حنظلة وبينه من الفضل.
وقد روى البيهقيُّ بإسناد فيه نظرٌ عن صهيبٍ: أنَّه أمر أصحابه بالقضاء في قصة جرت لهم مثل هذه.
فلو قُدِّر تعارض الآثار عن عمر لكان القياس يقتضي سقوط القضاءِ.
ألنَّ الجهل ببقاء اليوم كنسيان نفس الصَّوم، ولو أكَل ناسياً لصومه لم يجب عليه قضاؤُه والشَّريعة لم تُفرِّق بين الجاهل والنَّاسي، فإنَّ كلَّ واحد منهما قد فعل ما يعتقد جوازه وأخطأ في فعلهِ، وقد استويا في أكثر الأحكام وفي رفع الآثام فما الموجب للفرق بينهما في هذا الموضع؟
وقد جعل أصحاب الشَّافعي وغيرهم الجاهلَ المخطئ أولى بالعذر من النَّاسي في مواضع متعدِّدة.
وقد يقال: إنَّه في صورة الصوم أعذر منه، فإنَّه مامور بتعجيل الفطر استحباباً، فبادر إلى أداء ما أمر به واستحبه له الشَّارع فكيف يفسد صومه؟ وفاسد صوم النَّاسي أولى منه، لأنَّ فعله غير مأذون له فيه، بل غايته أنَّه عفوٌ، فهو دون المخطئ الجاهل في العذر.
وبالجملة: فلم يُفرِّق الشَّارع بينهما في الحجِّ، ولا في مفسدات الصَّلاة كحمل النَّجاسة وغير ذلك.
وما قيل من الفرق بينهما بأنَّ النَّاسي غير مكلف والجَاهل مكلفٌ، إن أُريد به التَّكليف بالقضاء فغير المتنازع فيه، وإن أُريد به أنَّ فعل النَّاسي لا ينتصب سبباً للإثم، ولا يتناوله الخطاب الشرعيُّ؛ فكذلك فعل المخطئ، وإن أُريد أنَّ المخطئ ذَاكر لصومه مقدم على قطعه، ففعله داخل تحت التَّكليف بخلاف النَّاسي فلا يصح أيضاً؛ لأنَّه يعتقد خروج زمن الصَّوم، وأنَّه مأمور بالفطر، فهو مقدم على فعل ما يعتقده جائزاً، وخ خطؤه في بقاء اليوم كنسيان الآكل في اليوم، فالفعالان سواءٌ، فكيف يتعلَّق التَّكليف بأحده دون الآخرِ؟!
