الكواشف المضية عن لآلي رسالة العبودية
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 100
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
قال: وهذا لا يحصل إلا بإعانة الله له، فإنّه لا يقدرُ على تحصيل والمخدّرات فينسى حاجته وفقره وجوعه ثم سرعان ما يفيق فيجد نفسه أكثر جوعاً، وهكذا حتى يموت، فلو أنهم تركوه جائعاً لكان أهون عليه ولكان أحسن حالاً من الذي أسكرته لذة الشهوات فتمتع قليلاً بغير نعيم لذة العبادة، فبدلاً من أن يحب الله الذي خلقه وهداه أحب المال أو الرياسة أو الجاه أو الصور ولكنه مفتقر بالضرورة إلى أن يحب مولاه وأن يتوكل عليه وإن رفعوه وسودوه فيظل في شقاء وصراع نفسي لا ينتهي وحسرة وندم، فما متاعهم إلا قليل.
وإنما كانت الجنة جنة بالقرب من الله وتحصيل عفوه ورضاه، وتلك القلوب لما اتصلت بأسباب الرضا منه سبحانه وصلت إلى مرضاته، والجنة وما فيها من نعيم تابعة في الحقيقة لهذا الأصل العظيم، ونعيمها المققيم من هذا الرضا الذي لا يتبدل، فإنّه رضا بغير سخط أبداً كما ثبت في الحديث القدسي في قول الله لأهل الجنة: « أحل عليكم رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبداً »، وهذا النوع من السعادة يحدث كثيراً للصالحين في الدنيا قبل حصولهم في الآخرة كعبد فقير يتوجه إلى الله غير منشغل بملك أو رئاسة راض بقليل الزاد مع يبس العيش، قد أراحه الله من عنت الدنيا وقد أدبرت وتولت، فلا يزال في منأى عنها، وقد أقصاها الله عنه فذهبت بلذتها وطراوتها.
وقد قال بعضهم: إنه لتمر بي الساعة فأقول إن كان أهل الجنة في هذا النعيم إنهم لفي نعيم طيب وإن كان هذا في الحقيقة لا يمكن أن يصل إلى نعيم الجنة لأن قرب أهل الجنة من الله أعظم من قربهم منه في الدنيا ورضاه عنهم أتم.
فإذا استغنى القلب بالله صار العطاء الدنيوي والمنع عنده سواء بمقام الرضا بقضاء الله سبحانه والانشغال به عما سواه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من مخلوق لم يطمئن إلى هذا العطاء حتى يفوز بالقرب من الله عز وجل لأنه محتاج بالضرورة إليه، وإلى محبته والإنابة إليه.
