شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الكواشف المضية عن لآلي رسالة العبودية

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 151

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

10 ]، قالوا: فارغاً من كلِّ شيءٍ إلا من ذكرِ موسى علام السلام.

وهذا كثيراً ما يعرضُ لمن دهمهُ أمرٌ من الأمورِ، إمَّا حبُّ، وإمَّا خوفٌ، وإمَّا رجاءٌ، يبقى قلبُهُ منصرفاً عن كلِّ شيءٍ، إلا عمَّا حبَّه أو خافَهُ أو طلبَهُ؛ بحيث يكون عند استغراقه في ذلك لا يشعر بغيره، فإذا قووى على صاحب الفناء هذا فإنَّه يغيبُ بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، حتَّى يفنى مَن لم يكن ـ وهو المخلوقاتُ المعبدَةُ مِمَّن سواه ـ ويبقي من لم يزل ـ وهو الربُّ تعالى، والمرادُ فناؤها في شهود العبد وذكره، وفناؤه عن أن يُدركها أو يشهدها وإذا قووى هذا ضعفُ المحبِّ حتَّى يضطرب في تمييزه، فقد يظنُّ أنَّه هو محبوبهُ، كما يُذكرُ أنَّ رجلاً ألقى نفسَهُ في اليَمِّ فألقى محبُّهُ نفسَهُ خلفَهُ، فقالَ: أنا وقعتُ، فما أوقعك خلفي؟؛ قال: غِبتُ بك عَنِّي، فظننتُ أنَّكَ أنِّي.

وهذا الموضعُ زلَّ فيه أقوامٌ، وظنُّوا أنَّه اتحادٌ، وأنَّ الحبَّ يتَّحدُ بالمحبوبِ حتَّى لا يكون بينهما فرقٌ في نفسِ وجودهما، وهذا ضلال بعيد، فإنَّ الخالقَ، لا يتَّحدُ به شيءٌ أصلاً، لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، بل لا يمكن أن يتَّحدَ شيءٌ بشيءٍ إلا إذا استحالا وفَسَدَتْ حقيقةُ كلِّ منهما، وحصلَ من اتحادهما أمرٌ ثالثٌ، لا هو هذا ولا هذا، كما إذا اتَّحَدَ الماءُ واللَّبَنُ، والماءُ والخمرُ، ونحو ذلك، ولكن يتَّحدُ المرادُ والمحبوبُ، والمرادُ والمكروهُ، ويتفقان في نوع الإرادة والكراهية، فيحبُّ هذا ما يحبُّ هذا، ويبغضُ هذا ما يببغضُ هذا، ويرضى ما يرضى، ويسخطُ ما يسخطُ، ويكرهُ ما يكرهُ، ويوالي مَنْ يوالي، ويعادي مَنْ يعادي، وهذا الفناءُ كلُّه فيه نقصٌ.

الصفحة السابقة الصفحة التالية