الكواشف المضية عن لآلي رسالة العبودية
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 23
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
فإذا عَرَفَ العبدُ أنَّ اللَّهَ ربُّه وخالقُهُ، وأنَّه مفتقرٌ إليه، محتاجٌ إليه، عَرفَ العبوديةَ المتعلّقةَ بربوبيّةِ اللَّه، وهذا العبدُ يسألُ ربَّه، ويتضرّعُ إليه ويتوكّلُ عليه، لكن قد يطيعُ أمره وقد يعصيه، وقد يعبده مع ذلك، وقد يعبدُ الشيطانَ، والأصنامَ، ومثلُ هذه العبوديةِ لا تفرّقُ بين أهل الجنّة وأهلِ النَّار، ولا يصيرُ بها الرَّجلُ مؤمناً، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ [ يوسف: ١٠٦ ].
فإنَّ المشركين كانوا يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ خالقُهم ورازقُهم وهم يعبدون غيره، قال تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ [ الزمر: ٣٨ ].
وقال تعالى: ﴿ قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ ٨٤ ] سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [ ٨٥ ] قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ [ ٨٦ ] سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ [ ٨٧ ] قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ ٨٨ ] سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾ [ ٨٩ ] [ المؤمنون: ٨٤ - ٨٩ ].
وكثير ممّن يتكلّمُ في الحقيقة، فيشهدُها لا يشهدُ إلا هذه الحقيقة، وهي الحقيقةُ الكونيةُ التي يشتركُ فيها وفي شهودها وفي معرفتها المؤمنُ والكافرُ، والبَرُّ والفاجرُ، بل وإبليسُ معترفٌ بهذه الحقيقة، وأهلُ النَّارِ، قال إبليسُ: ﴿ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [ ص: ٧٩ ]، وقال: ﴿ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [ الحجر: ٣٩ ]، وقال: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوَيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [ ص: ٨٢ ]، وقال: ﴿ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [ الإسراء: ٦٢ ].
وكبرهم يجحدون « أي ينفون » بآيات اللَّه وينكرونها وهذه الآية والتي تليها كذلك تدل أوضح دلالة على أن الإيمان لا يكفي فيه المعرفة والتصديق، بل لابد من عمل القلب وانقياده ومحبته وتعظيمه لله عز وجل.
