الكواشف المضية عن لآلي رسالة العبودية
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 26
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
الحقائق الدينية الداخلة في عبادة الله ودينه، وأمره الشرعيّ - التي يُحِبُّها ويرضاها، ويوالي أهلها ويكرمُهُم بجنّته - وبين الحقائق الكونية التي يشتركُ فيها المؤمنُ والكافرُ، والبرُّ والفاجرُ، التي مَنْ اكتفى بها، ولم يَتّبع الحقائق الدينية، كانَ من أتباع إبليس اللعين، والكافرين بربّ العالمين. ومَنْ اكتفى فيها ببعض الأمور دون بعض، أو في مقام دون مقام، أو حال دون حال؛ نقصَ من إيمانه وولايته لله بحسب ما نقصَ من الحقائق الدينية (١).
وهذا مقامٌ عظيمٌ غَلِطَ فيه الغالطون وكثر فيه الاشتباه على السالكين حتى زلق فيه من أكابر الشيوخ المدّعين للتحقيق التوحيد والعرفان ما لا يُحصيه إلا اللهُ الذي يعلمُ السِّرَّ والإعلانَ.
وإلى هذا أشارَ الشيخُ عبدُ القادر (٢) - رحمه الله - فيما ذُكر عنه، فَبَيَّنَ أن كثيراً من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلا أنا فإنّي انفتحت لي فيه رَوْزَنَةٌ (٣)، فنازعتُ أقدارَ الحقِّ بالحقِّ للحقِّ، والرَّجُلُ مَنْ يكون منازعاً للقَدَر، لا مَنْ يكون موافقاً للقَدَر (١).
قال: والذي ذكره الشيخُ - رحمهُ اللهُ - وهو الذي أَمَرَ اللهُ به ورسولُهُ، ولكنّ كثيراً من الرجال غلطوا فيه؛ فإنهم قد يشهدون ما يُقدَّرُ على أحدهم من المعاصي والذنوب، أو ما يُقدَّرُ على النّاس من ذلك، بل من الكفر، ويشهدون أنَّ هذا جاء بمشيئة الله وقضائه وقدره، داخلٌ في حُكْم ربوبيّته ومقتضى مشيئته، فيظنُّون أنَّ الاستسلام لذلك وموافقتَه والرضَى به، ونحو ذلك: دينٌ وطريقٌ وعبادةٌ (٢).
______
( ١ ) فالعبد يراد به المعبد الذي عبده الله وقهره وأذله، فهذا معنى عام يشترك فيه المؤمن والكافر والبر والفاجر، وشهود هذا الأمر هو شهود للحقيقة الكونية، وأن الكل بقضاء الله وقدره لا يكفي في تحقيق الولاية، بل لا يكفي في دخول الإسلام فإن هذه المعرفة كانت لدى المشركين وعباد الأصنام والتي هي مقدمة وتوطئة للمعرفة الأخرى الجليلة، وهي شهود الحقيقة الدينية والتي بها يصير العبد عبدا حقا... فإن أدلة الربوبية مدعاة النظر والتفكر والتعقل والتذكر وإلا كان من الذين لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها. أما عبودية العابد فعبودية حب وانقياد لأوامر الله، فالنوع الأول قيام الحجة والنوع الثاني القيام على المحجة.
( ٢ ) هو أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح موسى بن عبد الله الجيلاني.
( ٣ ) الروزنة: هي الفتحةُ في السقف.
