الكواشف المضية عن لآلي رسالة العبودية
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 30
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
وَفِي « الصَّحِيحَيْنِ »: عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: « احتج آدم وموسى، فَقَالَ مُوسى: أنت آدمُ الذي خَلَقكَ اللَّهُ بيدِهِ، ونفخَ فيكَ من روحِهِ، وأسجدَ لكَ ملائكتَكَ، وعَلَّمَكَ أسماءَ كُلِّ شيءٍ، فلماذا أخرجتَنا ونفسكَ من الجنةِ؟ فقال آدمُ: أنت موسى الذي اصطفاكَ اللَّهُ برسالته وبكلامه، فهلْ وجَدتَ ذلك مكتوباً عليَّ قبلَ أنْ أخلقَ؟ قال: نعم، فحج آدم موسى » (۱)
وَآدَمُ عَليْهِ السَّلاَمُ لم يحتجْ على موسى بالقدر ظناً أنَّ المذنب يحتجُ بالقدرِ، فإنَّ هذا لا يقولهُ مسلمٌ ولا عاقلٌ؛ ولو كانَ هذا عذراً لكانَ عذراً لإبليسَ، وقومِ نوحٍ وقومِ هودٍ وكلِّ كافرٍ، ولا موسى لامَ آدمَ أيضاً لأجل الذنبِ، فإنَّ آدمَ قد تابَ إلى ربه فاجتباه، وهدىً، ولكن لامَهُ لأجل المصيبة التي لحقتهم بالخطيئة، ولهذا قال: « فلماذا أخرجتنا ونفسكَ من الجنةِ؟ »، فأجابه آدمُ: « إنْ هذا كان مكتوباً عليَّ قبل أنْ أخلَقَ »، فكان العملُ والمصيبةُ المترتبةُ عليهِ مُقدَّراً،
مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ يرى أن النعمة حصلت بجهد نفسه، ولذا فهو لا يعطي فضله ويمنعه الناس ويبخل به عليهم لأنه يراه ملكا له بسعيه ونصبه... أما مجرد السرور بنعمة الله فهذا ليس مذموماً، ولكن كما قال الله عز وجل ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ وهذه هي النعمة في الدين وما أعطى الله عبده من الحلال فاستعان به على طاعته كمال، أو زوجة صالحة أو ولد صالح هو من فضل الله ورحمته، ولو آمن العبد بأن الكل من عند الله قد سبق في كتاب لما حصلت له هذه الأمراض « الكبر والاختيال والفخر والبخل »، فالإيمان بالقدر يزيل من القلب أمراض الأسى والحزن على ما فات من أمر الدنيا، وكذلك العجب، فأين كان جهدك ونصبك في هذا الغيب البعيد قبل الخلق بخمسين ألف سنة حتى تنسب الفضل لنفسك وتفخر به وتختال، وقد أعطاكه الله قبل أن تولد، بل قبل أن توجد الأرض ومن عليها، وهذا من أحسن مقامات تقرير العبودية.
______
(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
