الكواشف المضية عن لآلي رسالة العبودية
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 32
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسْرُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يِفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ
وفي رواية يزيد بن هرمز عن أبي هريرة « فأهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض »، وفي رواية حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: « أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة ».
فهذا كله يدل على أن آدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ إنما احتج بالقدر على الذنب ولكن بعد التوبة، ولو أن نبي الله موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ استحضر وقت المحاجة أنه لا يصح اللوم على الذنب بعد التوبة لما عاتب، وأما القول بأن موسى أعلم من أن يلوم أباه على ذنب قد تاب منه، فالمصائب أولى عند جميع العقلاء أن لا يلام عليها، ولذلك كانت حجة موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ضعيفة، ولذلك قال عَلَيْهِ السَّلاَمُ: « فحج آدم موسى »، وقد تقدم أن الذنب بعد التوبة بمنزلة المصيبة، أما قبل التوبة المقبولة فالعبد لا يزال مكلفاً بإزالة أثر الذنوب عن نفسه، فإذا احتج بالقدر قيل له: كلمة حق يراد بها باطل لأنه يريد أن يبرئ نفسه بالقول بأن الله قدر ذلك فهو يرضى حيث قدره.
وفي قصة كعب بن مالك رضي اللَّهُ عَنْهُ قوله: « فهممت أن أرتجل فأدركهم فيالتيني فعلت غير أنه لم يقدر لي ذلك » [ متفق عليه من حديث كعب بن مالك رضي اللَّهُ عنه ] ففي قوله: « ياليتني فعلت » إظهار للندم الذي هو من كمال التوبة، فما زال يؤكد على ندمه وهو في ذات الوقت يعزي نفسه بأن ذلك لم يقدر له، ولا شك أن تخلفه عن رسول الله ﷺ كان ذنبا، ولكن ماذا عساه أن يصنع غير ما صنع وهو لا يزال نادماً تائباً مقراً بذنبه خائفاً من ربه.
أما من يصر على الباطل ويتمادى فيه ثم لا يظهر منه ندم على فعله ولا إقلاع عن ذنبّه ولا رجوع إلى ربه، ويقول: هذا قدره الله عليَّ فهذا مستهزئ بأحكام الشريعة معتل على الله بعلة إبليس اللعينة الذي يحاربه ويعاديه ويعزم على معصيته ويقول ﴿ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوَيْنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ (٣٩) وأما من وقع في الذنب فأظهر الندم وسعى في التوبة وظهرت علامات قبولها منه فإذا احتج بالقدر فقد شابه أباه، ومن شابه أباه فما ظلم.
