الكواشف المضية عن لآلي رسالة العبودية
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 53
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الْأَشْيَاءَ بِأَسْبَابِهَا، كَمَا قَدَّرَ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ بِأَسْبَابِهِمَا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: « إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهَا لَهُمْ وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَيَعْمَلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا، خَلَقَهَا لَهُمْ وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَيَعْمَلُ أَهْلُ النَّارِ يَعْمَلُونَ » (١)
وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا أَخْبَرَهُمْ: « بِأَنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْمَقَادِيرَ »، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلَا نَدَعُ الْعَمَلَ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَى الْكِتَابِ؟ فَقَالَ: « لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ » (٢) يَعْنِي: مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ
فكلُّ مَا أَمَرَ اللَّهَ به عباده من الأسباب فهو عبادة، والتوكل مقرون بالعبادة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ [ هود: ١٢٣ ]، وفي قوله: ﴿ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴾ [ الرعد: ٣٠ ]، وقول شعيب
ومن هذا ما يذكرونه عن أحدهم أنه وقع في بئر فأراد أن يستعين بالناس ليخرجه فتذكر أن هذا ينافي التوكل فترك ما هم به حتى أدلى له بعض المارة فحلا فصعد به. فهذا أولاً مخالف لقضيته لأن تمسكه بالحبل حتى صعد مناف للتوكل على زعمه لأنه أخذ بالأسباب.
ثانياً: أنه إنما أتى من قبل جهله وقلة عقله وربما أنقذه الله لموافقته التوكل في أصله وله منه شيء حصل له بالضرورة لأنه لابد أن يصح له منه شيء ثم غفر الله له جهله بأصل توكله ولكن ذلك لا يسمى أن هذا هو التوكل الصحيح فإن النبي ﷺ كان يأخذ بالأسباب في كل أموره وهو أعظم المؤمنين توكلاً على الله تعالى، وقد ظاهر ﷺ بين درعين بأشُد وشاور الناس واختفى في الغار، وقال: « من يحرسني الليلة » وأمر بغلق الباب وغير ذلك مما هو معلوم من حاله ﷺ.
(١) رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وأحمد عن عائشة رضيَ الله عنها.
(٢) رواه الجماعة من حديث عليِّ بن أبي طالب رضيَ الله عنه.
____________________
