الكواشف المضية عن لآلي رسالة العبودية
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 73
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
قال: وأمَّا الشكوى إلى الخالق فلا تُنافي الصَّبرَ الجميلَ؛ فإنَّ يعقوب عَلَيْهِ السَّلَامُ قال: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ [ يوسف: 83 ]. وقال: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ [ يوسف: 86 ].
وكان عمرُ بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يقرأ في الفجر بسورة يونس، ويوسف، والنحل، فَمَرَّ بهذه الآية (١) في قراءته فبكى حتَّى سُمِعَ نشيجُهُ من آخر
إلى الله عز وجل، وقد بين للناس أنه يتحمل تحملاً شديداً ليكون قدوة في الصبر والتحمل، كما فعل النبي ﷺ فهذا لا يذم على تأوهه أو أنينه. ويعلم من تألمه ﷺ في مرضه أنه كالناس يمرض كما يمرض الناس، ويألم كما يألم الناس حتى لا يغالي فيه، فإن تلك المغالاة بدعة جاهلية وسبب للشرك، كما قال الله تعالى عن المشركين ﴿ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ فكانوا يتعجبون أن يكون الرسول بشراً ويطلبون أن يكون فوق البشر، فظهر بذلك أن الغلو هو من جاهلية هم. ويحمل كلام طاوس ـ رحمه الله ـ على الأنين المذموم المحمول على الشكوى وسؤال المخلوق بطريقة خفية ولعل له حاجة إلى من حضره، فقدم بين يدي حاجته أنينه وتأوهه كما يقدم السائل بين يدي من يسأله من الكلام ما يستستر به عطفه ويلين به قلبه حتى يعطيه إذا سأله، فضلاً عن كونه قد يكون من السخط على قضاء الله وعدم الرضا بمقدوره. ولهذا كرهوا هذا الأنين وخاصة إذا كان في مرض الموت فأي حاجة في هذا المقام الشديد تدعو المريض إلى الاحتياج إلى الناس والشكوى إليهم، وقد قربت الوفاة على الله وأي مراد من وراء السخط على مقدوره، وليس إلا مقدوره ولا سبيل إلى فرار حيث لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه.
________
(1) أي ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ [ يوسف: 86 ].
