فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 101
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
وأما إذا غلب على ظنه تعدي الأذى إلى غيره من أقاربه أو أصحابه أو رفقائه أو عموم المسلمين حرم الاحتساب، ولو قُدِّر زوال المنكر؛ لأنه يفضي إلى منكر آخر وهو إلحاق الأذى بالآخرين، وليس له أن يسامح في حق غيره(أ).
(أ) الأخذ بالعزيمة مستحب، والأخذ بالرخصة جائز وقد يكون مستحبًّا؛ وليس للإنسان أن يفرض على الآخرين الأخذ بالعزيمة وقد جعل الله لهم سعة في الرخصة؛ فمن عرض غيره للأذى فهو يُلْزِمه بما لا يلزمه شرعًا، ومن هنا كان له أن يسامح في حق نفسه لا في حق غيره.
وما أعظم فقه عبدالله بن حذافة الصحابي رضي الله عنه في هذه المسألة لما فعل ما فعل في قصة أسره عند الروم.(١)
______
(١) فقد روى ابن عساكر رحمه الله عن عبدالله بن حذافة السهمي رضي الله عنه فقال: «صحب رسول الله ﷺ، وأسلم قديمًا، وهاجر إلى أرض الحبشة، وبعثه النبي ﷺ رسولًا إلى كسرى»؛ وحدث عن النبي ﷺ، خرج إلى الشام مجاهدًا فأسرته الروم على قيسارية، وحمل إلى الطاغية؛ ففتنه عن دينه فلم يفتتن فأطلقه». [«تاريخ دمشق» (٢/ ٣٤٥)]
وقال ابن كثير رحمه الله: «ثم دخلت سنة تسع عشرة... وفيها فيما ذكرنا أسرت الرومُ عبدَالله بن حذافة». [«البداية والنهاية» (٧/ ١١٠)]
وقال الذهبي رحمه الله: «قال خليفة: وفيها [أي: سنة تسع عشرة] أسرت الروم عبدالله بن حذافة السهمي». [«سير أعلام النبلاء» (٢/ ٥٥٢)]
وذكر ابن عساكر بسنده قصة أسره، فقال: «فأسره الروم فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد، فقال له الطاغية: هل لك أن تنصر وأشركك في ملكي وسلطاني؟ قال له عبدالله: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما ملكته العرب - وفي رواية القطان: وجميع مملكة العرب - على أن أرجع عن دين محمد ﷺ طرفة عين ما فعلت، قال: إذًا أقتلك، قال: أنت وذاك، قال: فأمر به فصلب؛ وقال للرماة: ارموه قريبًا من يديه، قريبًا من رجليه؛ وهو يعرض عليه وهو يأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم دعا بقدر فصب فيها ماء حتى احترقت، ثم دعا بأسيرين من المسلمين فأمر بأحدهما فألقي فيها وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى، ثم أمر به أن يلقى فيها، فلما ذهب به بكى، فقيل له: إنه قد =
