فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 130
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
الأظهر من قولي العلماء أن الحسبة واجبة مع ظن التأثير والنفع، ومع عدمه إذا كانت فيه مصلحة أخرى، كانتفاع غير المحتسب، أو إظهار شعائر الإسلام، أو الأثر والنفع آجلاً لا عاجلاً (أ)، فإن عدم
(أ) احتج من يرى سقوط وجوب الحسبة إذا ظن عدم التأثير بمفهوم قوله تعالى: ﴿ فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ ﴾ [الأعلى: ٩]، فمفهومها أنها إذا لم تنفع لم يجب التذكير، وهو مفهوم شرط ﴿ إِن نَّفَعَتِ ﴾، وجمهور أهل العلم يقولون بمفهوم الشرط، واعتترض عليهم بأن في الآية محذوفاً مقدراً: ﴿ فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ ﴾ أي: وإن لم تنفع، مثل قوله تعالى: ﴿ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ ﴾ [النحل: ٨١]، أي: والبرد، فأجابوا بأن الأصل عدم تقدير محذوف، وإنما يصح هذا الاستدلال - بدلالة المفهوم على عدم جواز التذكير إن لم ينفع - إذا تصور انتفاء جميع أنواع النفع؛ لأن الآية لم تشترط نفع الذكرى للمحتسب عليه فقط أو للمحتسب فقط، بل قد يكون النفع للمحتسب وغيره؛ فقوله تعالى: ﴿ إِن نَّفَعَتۡ ﴾ يحتمل أيّ نفع؛ لأن النكرة في سياق الشرط تفيد العموم، والفعل في سياق الشرط يأخذ مفعولاً مطلقاً، أي: إن نفعت نفعاً، يعني: إن نفعت أي نفع فذَكِّر.
فإن انتفت جميع أنواع النفع فيسقط وجوب الحسبة وقد يبقى الاستحباب، فالصحيح أن آية: ﴿ فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ ﴾ دالة دلالة صحيحة على سقوط وجوب الاحتساب، وسقوط وجوب الدعوة إلى الله تعالى عندما تنعدم الفائدة بالكلية ولا يكون للاحتساب أيّ نوع من أنواع النفع. (١)
أما إذا كان هناك وجه من وجوه النفع للمحتسب عليه أو غيره من الناس في العاجل أو الآجل، سواء كان النفع الخاص للأشخاص أو العام بظهور شعار الإسلام؛ فلا يسقط الوجوب عن المحتسب، وتجب الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن =
____________________
(١) انظر: «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢٥٢).
