فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 160
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
أولاً: يبدأ بالتعريف(١): وهذا في حق الجاهل.
= رواه ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة قال: بينما عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يطوف بالبيت إذ رأى رجلًا يطوف وعلى عاتقه امرأة مثل المهاة - يعني حسنًا وجمالًا- وهو يقول:
قدت لهذى جملًا ذلولًا... موطأ أتبع السهولا
أعدلها بالكف أن تميلا... أحذر أن تسقط أو تزولا
أرجو بذاك نائلًا جزيلا
قال له عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا عبدالله، من هذه التي وهبت لها حجك؟ فقال: امرأتي يا أمير المؤمنين، وإنها حمقاء مرغامة، أكول قمامة، لا يبقى لها خامة؛ فقال له: ما لك لا تطلقها؟ قال: إنها حسناء لا تفرك، وأم صبيان لا تترك، قال: فشأنك بها.
قال أبو زيد: المرغام: المختلط.
فلم يقدم عليه بالإنكار حتى استخبره، فلما انتفت عنه الريبة لان له».(١)
فالتعرُّف: لا يُعدُّ درجة من درجات التغيير، وإنما هو شرط في حصول التغيير ابتداءً.
(أ) هذه هي الدرجة الأولى في الحقيقة: وهي أن يعرف الجاهل أن هذا من المنكر، وهذا ثابت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مه مه، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ» فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعاه فقال له: «إِنَّ هَذِهِ المَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا البَوْلِ، وَلَا القَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عز وجل، وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ»، قال: فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه.(٢)
ولا شك أن البول في المسجد منكر ورغم ذلك تركه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مستمرًا في بوله مع احتمال أن يتوقف لو أوقفوه؛ لوجود مفسدة من إيقافه، فبداية التغيير كانت هي نُصح النبي له بعد ذلك، فقد غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلسانه.
وكذلك في حديث معاوية بن الحكم السُّلَّمي -الذي تكلم في الصلاة فنصحه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلّمه أن الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الناس - قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ =
______
(١) «الأحكام السلطانية» (ص: ٣٦٣، ٣٦٤) باختصار.
(٢) رواه البخاري (٢١٩) (٦٠٢٥)، ومسلم (٢٨٥)، واللفظ له.
