فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 20
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
وجد المعروف الواجب وزال المنكر المحرم سقط عن الباقين، وإلا أثم كل قادر.(1)
أما عن قول بعض العلماء عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه فرض عين، فهو قول ضعيف عند المحققين من أهل العلم.
وقد احتجوا بأن (من) في ﴿مِنْكُمْ﴾ في الآية زائدة، وهذا خلاف الأصل.
واحتجوا كذلك بأسلوب القصر والحصر في قوله تعالى: ﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
والجواب أن الجميع مفلحون إذا قامت بالأمر طائفة فصار الوصف للمجموع والفلاح لهم كذلك واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥].
وقد سبق جوابه من كلام عكرمة وموافقة ابن عباس له مع قول النبي ﷺ: «من أنكر فقد سلم ومن كره فقد برئ ولكن من رضي وتابع».
واحتجوا بعموم حديث: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ...» الحديث.
فقالوا: هو عام يشمل كل من رأى المنكر، فلو رأى المنكر اثنان؛ فكل منهما قد رآه، وهذا محمول -عند جمهور العلماء- على من تعين عليه ذلك.
كمن رأى وحده المنكر ولم يكن معه غيره.
واستدل الجمهور أن هدى النبي ﷺ يدل على ذلك، ومن ذلك أن الصحابة رأوا الرجل المُسيء صلاته؛ ولم ينهه أحدٌ سوى النبي ﷺ، وقال: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»(2)، واكتفى هو بالبيان ولم يلزم كل واحد منهم أن يأمر الرجل بأن يُحسن صلاته، وأجزأ ذلك الصحابة في حضرته ﷺ.
______
(1) هذا عام في كل فروض الكفاية وهو إثم كل قادر بحسب قدرته، إن لم توجد هذه الفروض، وإطلاق بعض أهل العلم الإثم على الجميع مراعاة للغالب؛ فإن كل إنسان لا ينفك غالبًا عن نوع من القدرة إما بنفسه أو بالتعاون مع غيره، أو أمر القادرين، ولو فعل إنسان كل ما يقدر عليه لم يؤاخذ بما تركه الآخرون؛ قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فالخلاف هنا هو خلاف في لفظ العبارة، فلا يوجد عالم يقول بإثم من لم يفعل ما لا يقدر عليه؛ لأن القدرة شرط من شروط التكليف؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
(2) رواه البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧).
