فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 75
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
قال ابن رجب (١): «قال ابن شبرمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالجهاد، ويجب على الواحد أن يصابر في الاثنين ويحرم عليه الفرار منهما، ولا يجب عليه مصابرة أكثر من ذلك (أ)، فإن خاف السب أو سماع الكلام السيئ =
= المعتبر، أي أن يغلب على ظنه حدوث الضرر حتى ينطق بكلمة الكفر، فقد أنكر الإمام أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ بشدة على من قال: إن القرآن مخلوق بزعم أنه مُكرَه أي لتهديد السلطان ووعيده، ورد رَحِمَهُ اللَّهُ على من يحتجون بفعل عمار، فإن عمارًا لم يفعل إلا حين ضرب وعُذِّب.
فكان الإمام أحمد يشدد على الناس أنهم استسهلوا أمر الإكراه، وأنهم استجابوا لمجرد التهديد الذي لا يغلب على الظن حدوث الضرر منه (٢)، فأنكر عليهم ذلك.
وقوله: «فليجز ترك الإنكار بالأولى» لأن الترك دون الفعل في القبح، والسكوت على مرتكب المنكر أهون من ارتكابه من قَبْل المحتسب، فإذا جاز الأشد فمن باب أولى أن يجوز الأسهل.
(أ) فإن باب الجهاد وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب واحد؛ لأن الجهاد أحد صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإذا كان أمام المرء اثنان فأقل وجب عليه تغيير المنكر، فإن كانوا أكثر من ذلك فلا يجب عليه، وهذا في الأساس مع الكفار، ومع المسلم الذي يرتكب المنكر مثل ذلك.
وفي البخاري عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «لما نزلت: ﴿إِن يَكُن مِّنكُم عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ =
______
(1) «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٢٤٩) هذا كلام قيم جدًّا، وقد نقله الإمام البخاري في صحيحه معلَّقًا عن ابن شبرمة، تحت رقم (٤٦٥٢)، كما سيأتي.
(2) قال العز بن عبدالسلام «الضرر أقسام:
أحدها: ما لا يختلف مسببه عنه، إلا أن يقع معجزة لنبي أو كرامة لولي؛ كالإلقاء في النار وشرب السموم المذففة، والأسباب الموجبة، فهذا ما لا يجوز الإقدام عليه في حال اختيار ولا في حال إكراه.
القسم الثاني: ما يغلب ترتب مسببه عليه وقد ينفك عنه نادرًا، فهذا -أيضًا- لا يجوز الإقدام عليه؛ لأن الشرع أقام الظن مقام العلم في أكبر الأحوال.
القسم الثالث: ما لا يترتب مسببه إلا نادرًا، فهذا لا يحرم الإقدام عليه لغلبة السلامة من أذيته.. إذ لا يجوز تعطيل المصالح الغالبة لوقوع المفاسد النادرة، [«قواعد الأحكام» (١/ ٩٩، ١٠٠)، باختصار]
