شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 76

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

لم يسقط عنه الإنكار بذلك(أ)، نص عليه أحمد، وإن احتمل الأذى وقوي عليه؛ فهو أفضل، نص عليه أحمد أيضًا».(ب)

فإن قال قائل: المنكر الحاصل أمر مقطوع به والأذى أمر مظنون، فكيف نترك المقطوع به للمظنون؟

قيل له: المقصود بالخوف المعتبر، غلبة الظن بحصوله، ولا عبرة بالشك والتوهّم وإمكان حصول الأذى، ولو صح تطبيق هذا الكلام لانسد باب الإكراه أصلًا(ج)؛ إذ مبناه على غلبة الظن، فالتهديد بالقتل والسجن والتعذيب كل ذلك =

= ﴿ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾، ﴿ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ ﴾ ﴿ فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ ﴾ أن لا يفر واحد من عشرة «فقال سفيان غير مرة: أن لا يفر عشرون من مائتين» ثم نزلت: ﴿ أَلَن خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ ﴾ [الأنفال: ٦٦] الآية، فكتب أن لا يفر مائة من مائتين «وزاد سفيان مرة: نزلت: ﴿ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُم عِشْرُونَ صَابِرُونَ ﴾ [الأنفال: ٦٥]، قال سفيان: وقال ابن شبرمة: «وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا».(١)

وقال ابن حجر رَحِمَهُ اللَّهُ: «قوله: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا، أي: أنه عنده في حكم الجهاد الجامع ما بينهما من إعلاء كلمة الحق وإخماد كلمة الباطل».(٢)

(أ) لأن هذا إكراه غير معتبر شرعًا، ولو كان الأمر كذلك لسقط وجوب الدعوة إلى الله؛ فالرسل عَلَيْهِمُ السَّلَامُ كان يقال لهم: ساحر، مجنون، كاهن.. إلخ، فطالما سمع الرسل مثل هذه التهم، فلا يعد ذلك عذرًا لترك الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن الرسل طالما تعرضوا لمثل هذا الأذى ولم تسقط الدعوة إلى الله.

(ب) إن احتمل الأذى ولم يتكلم بكلام الكُفر، أو إن احتمل الأذى واستمر في الدعوة إلى الله تعالى فهو أفضل، وقد نص الإمام أحمد على هذا، ولقد تحمّل هو نفسه أنواعًا من الأذى المعتبر؛ فلقد ضرب إلى أن أغمي عليه وسُجن حتى يقول: القرآن مخلوق؛ وكان يباح له هذا لكنه صبر رَحِمَهُ اللَّهُ وأبى أن يقوله؛ ومع أنه كان معذورًا عند الله لكنه لم يفعل رَحِمَهُ اللَّهُ.

(ج) أي: لو صح تطبيق قول من قال إن المنكر مقطوع به والأذى مظنون؛ فلا يترك =

______

(1) رواه البخاري (٤٦٥٢).

(2) «فتح الباري» (٣١٢/٨).

الصفحة السابقة الصفحة التالية