فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 77
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
مما أجمع العلماء على اعتباره في الإكراه في الجملة، وهو من أمور المستقبل، وليس قطعيًا بالمعنى الاصطلاحي، ولكن الشرع وضع غلبة الظن محل العلم، وجريانُ العادة في الواقع المشهود والتجربة كافٍ في حصول غلبة الظن(أ)؛ ولذا فينطبق على هذه المسألة -خوف الضرر- شروط الإكراه المعتبر كما ذكرها ابن حجر رَحِمَهُ اللَّهُ في «الفتح».
= مقطوع به لمظنون لانسد باب الإكراه أصلًا؛ لأن الإكراه كله مبناه على ما سوف يحدث.
مثل أن يضربه أول مرة وأصبحت ماضيًا، لكنه ما زال يتألم منها، ثم يهدد بالضرب إن لم يفعل، فمن وقع عليه الضرب عنده غلبة ظن أنه إذا لم يفعل ما أكره عليه سوف يُضرب مرة أخرى، ومثل هذا يجوز له عند غلبة الظن -بحدوث الضرر في المستقبل- النطق بكلمة الكفر.
(أ) مدار ذلك على غلبة الظن أو التحقق بحصول الأذى ولا عبرة بالشك والتوهم، وهذا يصلح جوابًا لمن يقول إن المنكر الحاصل أمر مقطوع به والأذى أمر مظنون فكيف نترك المقطوع به للمظنون، كما سبق.
يقول العز بن عبد السلام: «فصل في بيان جلب المصالح ودرء المفاسد على الظنون:
لما كان الغالب صدق الظنون بنيت عليها مصالح الدنيا والآخرة؛ لأن كذبها نادر ولا يجوز تعطيل مصالح صدقها الغالب خوفًا من وقوع مفاسد كذبها النادر، ولاشك أن مصالح الدنيا والآخرة مبنية على الظنون كما ذكرناه، ولا يجوز العمل بكل ظن».(١)
إلى أن قال: «ولا فرق بين حقوق الله وحقوق عباده في إثباتها بالظنون. وكذلك إثبات أسبابها، وشرائطها، وأوقاتها، وآجالها، وموانعها، وأضدادها، ولا فرق بين العبادات، والمعاملات، والولايات، والشهادات والعقوبات والأبضاع والدماء والأموال؛ لتعذر اليقين في ذلك كله وعزته في أغلب الأحوال».(٢)
ويقول الشاطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: «فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غلب، فإذا كان الغالب جهة المصلحة؛ فهي المصلحة المفهومة عرفًا، وإذا غلبت الجهة الأخرى، فهي المفسدة المفهومة عرفًا. =
______
(١) «قواعد الأحكام» (٢/ ٢٧).
(٢) «قواعد الأحكام» (٢/ ٣٩) ط. دار القلم.
