فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 85
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
وهذا بخلاف ما لو كانت الصفات متفاوتة تفاوتًا كبيرًا، كأن يكون المسلمون شديدي الضعف كبيري السن، ويكون الكفار شبابًا أقوياء أشداء، وليس مع المسلمين الأدوات التي يستطيعون الحرب بها، أما الكفار فهم في كامل سلاحهم.
وفي هذه الحالة قولان:
الأول: قول جمهور العلماء: وهو أن العدد معتبر عند تقارب الصفات، والعبرة بغلبة الظن بحصول الهزيمة أو بحصول النصر والظفر أو احتمال الأمرين معًا.
قال العز بن عبد السلام: «الانهزام يوم الزحف.. جائز إذا أربى عدد الكفرة على عدد الإسلام مع التقارب في الصفات».(١)
وقد يُرد على ذلك بأن في غزوة بدر وغيرها من معارك المسلمين كان هناك تفاوت عظيم في العدد. ومع ذلك فإن المسلمين صبروا وثبتوا ونصرهم الله عز وجل.
ويجاب على ذلك بأن هذه المعارك كان فيها:
* قوة نفوس المسلمين(٢)، وضعف نفوس الأعداء.
* إحكام خطة الحرب عند المسلمين، وتحديد أماكن الهجوم والدفاع في المعركة؛ ففي هذه الحالة قد يغلب حصول النصر على ظن المسلمين.
فالأمر مبناه على غلبة الظن، فإذا غلب على ظن المسلمين أنهم سينتصرون؛ فيجب عليهم الثبات وعدم الفرار، وإذا كان هناك احتمال للنصر واحتمال للهزيمة، فيستحب لهم الثبات، وإذا غلب على الظن الهزيمة دون النصر وأنهم سيقتلون؛ يُنظر في هذه الحالة: هل ستحدث نكاية في صفوف العدو أم لا؟ فإذا كانت ستحدث نكاية في صفوف العدو، فقد قال بعض العلماء: يستحب الانصراف ولو كان هناك نكاية.
وهذا هو الأصح؛ لأن الانصراف فيه حفظ رأس المال، والنكاية التي ستحدث لن تضر مثل ضرر فقد رأس المال؛ أما مدح النبي ﷺ القواد الثلاثة في غزوة مؤتة؛ مع أنهم -
______
(1) «قواعد الأحكام» (١/ ١٧٥) باختصار يسير.
(2) قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ... ﴾ الآية [الأنفال: ٧] مع وجود الرسول ﷺ معهم.
