فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 89
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
قال ابن رجب رَحِمَهُ اللَّهُ(١): «ولعمري إن أيام عبدالملك والحجاج والوليد وأضرابهم(أ) كانت من الأيام التي سقط فيها فرض الإنكار عليهم بالقول واليد؛ لتعذر ذلك والخوف على النفس».
«وقد حكي أن الحجاج لما مات، قال الحسن: اللَّهُمَّ أَنْتَ أَمْتَّهُ، فَاقْطَعْ عَنَّا سُنَّتَهُ، فَإِنَّهُ أَتَانَا أَخَيْفِشُ أُعَيْمِشُ، يَمُدُّ بِيَدٍ قَصِيرَةِ الْبَنَانِ، وَاللَّه.. مَا عَرَقَ فِيهِ عِنَانٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يُرَجِّلُ جَمَّتَهُ، وَيَخْطِرُ فِي مِشْيَتِهِ، وَيَصْعَدُ الْمِنْبَرَ فَيَهْذِرُ حَتَّى تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ، لَا مِنْ اللَّهِ يَتَّقِي، وَلَا مِنْ النَّاسِ يَسْتَحْيِي، فَوْقَهُ اللَّهُ، وَتَحْتَهُ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، لَا يَقُولُ لَهُ قَائِلٌ: الصَّلَاةَ أَيُّهَا الرَّجُلُ، ثم يقول الحسن: هيهات والله، حال دون ذلك السيف والسوط.. فهؤلاء السلف كانوا معذورين في ذلك الوقت في ترك النكير باليد واللسان».(٢)(ب)
(أ) أضرابهم: أمثالهم.
(ب) أقوال المذاهب الفقهية المختلفة على أن المحتسب إذا خاف على نفسه الضرر خوفًا معتبرًا وغلب على ظنه حدوث الضرر والأذى المعتبر شرعًا يسقط عنه وجوب الأمر والنهي وهو في سعة؛ لأن هذه المنكرات تضر من يرضى بها لا من يكرهها، لقوله ﷺ: «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ، قالوا: أفلا نُقَاتِلُهُمْ؟ قال: «لَا، مَا صَلَّوْا»(٣)، والشاهد قوله ﷺ: «وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ».
فالذي يجب أن نراعي حرمته عندما نزن المصالح العامة والخاصة هو البريء الذي يتحمل الأذى المعتبر شرعًا في الإكراه، حتى يستنقذ الناس من هذا المنكر، فمراعاة حرمته أولى من مراعاة حرمة الراضي بالمنكر، الذي يشارك فيه، ويساعد عليه، ويتلذذ بالمنكر مستغلًا فرصة وجوده!
وهذه القواعد استنبطها العلماء من علمهم بالشرع، ولا يصح أن يستنبط من القواعد
______
(١) «جامع العلوم والحكم» (٢٨٢).
(٢) «أحكام القرآن» للجصاص (٤/ ١٥٧) باختصار، وانظر: «الأخبار الموفقيات» للزبير بن بكار (٣٠).
(٣) رواه مسلم (١٨٥٤).
