الرسالة
الإمام الشافعي • أصول الفقه • ج1 ص120
تحقيق: أحمد شاكر — مكتبه الحلبي، مصر
ووجه الله رسوله للقبلة في الصلاة إلى بيت المقدس، فكانت القبلة التي لا يحل - قبل نسخها - استقبال غيرها، ثم نسخ
[ص: 122]
الله قبلة بيت المقدس، ووجهه إلى البيت، فلا يحل لأحد استقبال بيت المقدس أبدا لمكتوبة، ولا يحل أن يستقبل غير البيت الحرام.
قال: وكل كان حقا في وقته، فكان التوجه إلى بيت المقدس - أيام وجه الله إليه نبيه - حقا، ثم نسخه، فصار الحق في التوجه إلى البيت الحرام أبدا، لا يحل استقبال غيره في مكتوبة، إلا في بعض الخوف، أو نافلة في سفر، استدلالا بالكتاب والسنة.
وهكذا كل ما نسخ الله، ومعنى (نسخ) : ترك فرضه: كان حقا في وقته، وتركه حقا إذا نسخه الله، فيكون من
[ص: 123]
أدرك فرضه مطيعا به وبتركه، ومن لم يدرك فرضه مطيعا باتباع الفرض الناسخ له.
قال الله لنبيه: " قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره (144) " [البقرة] .
فإن قال قائل: فأين الدلالة على أنهم حولوا إلى قبلة بعد قبلة؟
ففي قول الله: " سيقول السفهاء من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ قل: لله المشرق والمغرب. يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (142) " [البقرة] .
"مالك" عن "عبد الله بن دينار" عن "ابن عمر"
[ص: 124]
قال: " بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت، فقال: إن النبي قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة " (1) .
"مالك" عن "يحيى بن سعيد" عن "سعيد بن المسيب"
[ص: 125]
أنه كان يقول: " صلى رسول الله ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس، ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين " (2) .
