رياض الصالحين
الإمام النووي • التزكية والرقائق • ص 182
تحقيق: شعيب الأرنؤوط — مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان
قال:"وأنا، والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما. قوما"فقاما معه، فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبا وأهلا. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين فلان"قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا، وأخذ المدية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إياك والحلوب"فذبح لهم، فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا. فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما:"والذي نفسي بيده، لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم" رواه مسلم.
قولها:"يستعذب"أي: يطلب الماء العذب، وهو الطيب. و"العذق"بكسر العين وإسكان الذال المعجمة: وهو الكباسة، وهي الغصن. و"المدية"بضم الميم وكسرها: هي السكين. و"الحلوب"ذات اللبن. والسؤال عن هذا النعيم سؤال تعديد النعم لا سؤال توبيخ وتعذيب. والله أعلم وهذا الأنصاري الذي أتوه هو أبو الهيثم بن التيهان رضي الله عنه، كذا جاء مبينا في رواية الترمذي وغيره.
وعن خالد بن عمر العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان، وكان أميرا على البصرة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوى فيها سبعين عاما لا يدرك لها قعرا، والله لتملأن.. أفعجبتم،؟ ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مالنا طعام إلا ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فاتزرت بنصفها، واتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرا على مصر من الأمصار. وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما. وعند الله صغيرا. رواه مسلم.
قوله:"آذنت"هو بمد الألف، أي: أعلمت. وقوله:"بصرم": هو بضم الصاد. أي: بانقطاعها وفنائها. وقوله"وولت حذاء"هو بحاء مهملة مفتوحة، ثم ذال معجمة مشددة، ثم ألف ممدودة. أي:
