تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (تفسير السعدي)
الشيخ عبد الرحمن السعدي • التفسير • سورة النبإ: الآيات 17-30
ذكر تعالى ما يكون في يوم القيامة الذي يتساءل عنه المكذبون، ويجحده المعاندون، أنه يوم عظيم، وأن الله جعله { ميقاتا } للخلق { ينفخ في الصور فتأتون أفواجا } ويجري فيه من الزعازع والقلاقل ما يشيب له الوليد، وتنزعج له القلوب، فتسير الجبال، حتى تكون كالهباء المبثوث، وتشقق السماء حتى تكون أبوابا، ويفصل الله بين الخلائق بحكمه الذي لا يجور، وتوقد نار جهنم التي أرصدها الله وأعدها للطاغين، وجعلها مثوى لهم ومآبا، وأنهم يلبثون فيها أحقابا كثيرة، و " الحقب " على ما قاله كثير من المفسرين: ثمانون سنة. وهم إذا وردوها { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا } أي: لا ما يبرد جلودهم، ولا ما يدفع ظمأهم. { إلا حميما } أي: ماء حارا، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، { وغساقا } وهو: صديد أهل النار، الذي هو في غاية النتن، وكراهة المذاق، وإنما استحقوا هذه العقوبات الفظيعة جزاء لهم، ووفاقا على ما عملوا من الأعمال الموصلة إليها، لم يظلمهم الله، ولكن ظلموا أنفسهم، ولهذا ذكر أعمالهم، التي استحقوا بها هذا الجزاء، فقال: { إنهم كانوا لا يرجون حسابا } أي: لا يؤمنون بالبعث، ولا أن الله يجازي الخلق بالخير والشر، فلذلك أهملوا العمل للآخرة. { وكذبوا بآياتنا كذابا } أي: كذبوا بها تكذيبا واضحا صريحا وجاءتهم البينات فعاندوها. { وكل شيء } من قليل وكثير، وخير وشر { أحصيناه كتابا } أي: كتبناه في اللوح المحفوظ، فلا يخشى المجرمون أنا عذبناهم بذنوب لم يعملوها، ولا يحسبوا أنه يضيع من أعمالهم شيء، أو ينسى منها مثقال ذرة، كما قال تعالى:
ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا
[الكهف: 49]. { فذوقوا } أيها المكذبون هذا العذاب الأليم والخزي الدائم { فلن نزيدكم إلا عذابا } وكل وقت وحين يزداد عذابهم [وهذه الآية أشد الآيات في شدة عذاب أهل النار أجارنا الله منها].
