كيف نُؤمِن بعذاب القبر مع عدم إدراكنا له بحواسِّنا؟
مركز سلف للبحوث والدراسات • العقيدة
أ- فلو كان الميتُ بين الناس موضوعًا، لم يمتنِعْ أنْ يأتيَه المَلَكان، فيسألانِه من غير أنْ يشعُرَ الحاضرون بذلك، ويُجيبُهما من غير أنْ يَسمَعوا كلامَه، ويَضرِبانِه من غير أنْ يُشاهِد الحاضرون ضربَه، وهذا الواحدُ منَّا يَنام إلى جنب صاحبه، فيُعذَّب في النوم، ويُضرَب، ويألَمُ، وليس عند المُستيقِظ خبرٌ من ذلك البتَّةَ ( [12] ) .
ب- وأمَّا عَصْرةُ القبر حتى تختَلِف أضلاعُ بعض الموتى، فلا يَرُدُّه حِسٌّ ولا عقلٌ ولا فِطرةٌ، ولو قُدِّرِ أنَّ أحدًا نَبَش عن ميت، فوجَد أضلاعه كما هي، لم يمتَنِع أنْ تكون قد عادت.
ج- وغيرُ ممتَنِع أنْ تُردَّ الأرواحُ إلى المصلوب والغريق ونحوهما، ونحن لا نشعُر بها؛ إذ ذلك الرَّدُّ نوعٌ آخَرُ غيرُ المعهود، فهذا المُغْمى عليه والمسكوتُ والمبهوتُ أحياءٌ وأرواحُهم معهم، ولا نشعُر بحالتهم ( [13] ) .
د- ومَن تفرَّقَت أجزاؤه لا يمتَنِع على مَن هو على كل شيء قديرٌ أنْ يجعَل للرُّوح اتِّصالًا بتلك الأجزاء على تباعُد ما بينها وقُربه، ويكون في تلك الأجزاء شعورٌ بنوع الألم واللَّذة ( [14] ) .
4- أحوال البرزخ لا تُقَاس على ما يشاهده الناس في الدنيا:
يقول الإمام القرطبي في تقرير ذلك: (وبالجملة: فأحوالُ المقابِر وأهلِها على خلافِ عاداتِ أهلِ الدُّنيا في حياتِهم، فلَيس تَنقاسُ أحوالُ الآخرة على أحوالِ الدنيا، وهذا مما لا خِلَاف فِيه، ولولا خبر الصادق بذلك لم نَعْرِف شيئًا مما هنالك) ( [15] ) .
ويقول الإمام ابن القيم: (وهل قياسُ أمر البرزخ على ما يشاهدُه الناس في الدنيا إلا محض الجهل والضلال، وتكذيب أصدق الصادقين، وتعجيز رب العالمين؟! وذلك غايةُ الجهل والظلم) ( [16] ) .
فالنارُ التي في القبر ليست من نار الدنيا، فيُشاهدها مَن شاهَدَ نارَ الدُنيا، وإنَّما هي من نار الآخِرة، وهي أشدُّ من نار الدنيا، ولا يُحسُّ بها أهلُ الدنيا، فإنَّ الله يُحمي عليه ذلك الترابَ والحجارةَ التي عليه وتحتَه، حتى تكونَ أعظمَ حرًّا من حَرِّ نار الدُّنيا، ولو مسَّها أهل الدنيا لم يُحسُّوا بذلك.
وأعجَبُ من ذلك أنَّ الرجُلَيْن يُدْفَنان، فيكون أحدُهما إلى جنب صاحبه، وهذا في حُفرة من حُفَر النار، لا يصِل حرُّها إلى جاره، وذلك في رَوْضة من رياض الجنَّة لا يصِل نعيمُها إلى جاره، وقدرةُ الرّبِّ تعالى أوسَعُ وأعجَبُ من ذلك، ويُفرَش للكافر لَوْحان من نار يُشَعلُ عليه قبرُه بهما، كما يُشعَل التنُّورُ ( [17] ) .
يقول ابن القيم: (وسرُّ المسألة: أنَّ هذه التوسعةَ والضيق والإضاءة والخضرة والنار ليس من جنس المعهود في هذا العالم، والله سبحانه إنما أشهدَ بني آدم في هذه الدار ما كان فيها ومنها. فأما ما كان من أمر الآخرة، فقد أَسْبَلَ عليه الغطاءَ ليكون الإقرارُ به والإيمانُ سببًا لسعادتهم، فإذا كُشِفَ عنهم الغطاءُ صار عيانًا مشاهدًا) ( [18] ) .
5- الحكمة من إخفاء عذاب القبر عن أهل الدنيا وعدم شعورهم به:
يقول ابن القيم: (وكيف يَستنكر من يعرف الله سبحانه ويُقِرُّ بقدرته أن يُحدِثَ حوادثَ يَصرِفُ عنها أبصارَ بعض خلقه، حكمةً منه ورحمةً بهم؛ لأنّهم لا يطيقون رؤيتها وسماعَها؟ والعبد أضعفُ بصرًا وسمعًا من أن يثبُتَ لمشاهدة عذاب القبر. وكثيرٌ ممن أشهده الله ذلك صَعِق وغُشي عليه، ولم ينتفع بالعيش زمنًا. وبعضهم كُشِف قناعُ قلبه، فمات. فكيف ينكَر في الحكمة الإلهية إسبالُ غطاء يحول بين المكلَّفين وبين مشاهدة ذلك، حتى إذا كُشِفَ الغطاءُ رأوه وشاهدوه عيانًا؟!) ( [19] ) .
ويقول: (فإذا شاء الله سبحانه أن يُطلِع على ذلك بعضَ عَبيده أطلعه، وغيَّبه عن غيره؛ إذ لو اطَّلع عليه العباد كلُّهم لزالت حكمةُ التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافَنَ الناس، كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: «لولا أن تدافنوا لدعوتُ الله أن يُسمِعَكم من عذاب القبر ما أسمع» ( [20] ) .
ولما كانت هذه الحكمة منفيَّةً في حقّ البهائم سمعت ذلك وأدركته، كما حادت برسول الله صلى الله عليه وسلم بغلتُه، وكادت تُلقِيه لمّا مرَّ بمن يُعذب في قبره.
وحدَّثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن الرُّزَيز الحَرَّانيُّ أنه خرج من داره بعد العصر بآمِدَ إلى بستانٍ. قال: فلمّا كان قبل غروب الشمس توسطتُ القبورَ، فإذا بقبر منها، وهو جمرةُ نار مثلُ كُور الزجَّاج، والميتُ في وسطه. فجعلتُ أمسح عينيَّ، وأقول: أنائم أنا أم يقظانُ؟ قال: ثم التفتُّ إلى سور المدينة، وقلت: والله ما أنا بنائم. ثم ذهبت إلى أهلي، وأنا مدهوشٌ، فأتَوْني بطعام، فلم أستطع أن آكلُ. ثم دخلت البلد، فسألت عن صاحب القبر، فإذا به مَكَّاسٌ قد توفِّي ذلك اليوم.
فرؤيةُ هذه النار في القبر كرؤية الملائكة والجنِّ تقع أحيانًا لمن شاء الله أن يُريه ذلك) ( [21] ) .
ومن القصص التي وثَّقَها المؤرِّخُون لإطلاع الله تعالى بعضَ عبادِه على عذاب القبر، وهو مما تتبين به حكمة إخفاء الله تعالى لعذاب القبر عنّا: ما ذكره الشيخ أحمد بن عبد الوهاب في تاريخه المسمى (نهاية الأرب) حيث قال: (وفي سنة سبع وتسعين وستمائة، في العشر الأول من جمادى الأولى، ورد على السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين مطالعة مضمونها: أن شخصا بقرية جينين من الساحل الشامي كانت له زوجة، فتوفيت إلى رحمة الله تعالى، فحملت بعد تغسيلها وتكفينها ودفنت، فلما عاد زوجها من المقبرة تذكر أن منديله وقع في القبر، وفيه جملة من الدراهم، فأتى إلى فقيه في القرية، فاستفتاه في نبش القبر، فقال له في ذلك: يجوز نبشه وأخذ المال منه، ثم تداخل الفقيه المفتي في ذلك شيء في نفسه، فقام وحضر معه إلى القبر، فنبش الزوج القبر ليأخذ المال والفقيه على جانب القبر، فوجد الزوج زوجته مقعدة مكتوفة بشعرها، ورجليها مكتوفتين بشعرها، فحاول حل كتافها، فلم ينحل له ذلك، فأمعن في ذلك، فخسف به وبزوجته، ولم يوجد أو لم يعلم للخسف منتهى. وأما الفقيه فإنه أقام مغشيًّا عليه يومًا وليلة أو ليلتين.
نسأل الله أن يسترنا ولا يفضحنا، وأن لا يؤاخذنا بسوء أفعالنا.